سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩١ - الباب السادس في أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يؤمنوا به (صلّى اللّه عليه و سلم) و ينصروه إذا بعث فيهم
رواه البخاري في صحيحه. كما نقله الزركشي في شرح البردة، و الحافظ ابن كثير [١] في تاريخه و أول كتابه جامع المسانيد، و الحافظ في الفتح في باب حديث الخضر مع موسى، و لم أظفر به فيه، و رواه ابن عساكر بنحوه.
قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السّبكي (قدس اللّه سره) في هذه الآية من التّنويه بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و عظيم قدره ما لا يخفى أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم. فتكون نبوّته و رسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة و تكون الأنبياء و أممهم كلهم من أمته، و يكون قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «بعثت إلى الناس كافة» [٢] لا يختصّ به الناس في زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضا.
و إنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدّم عليهم و أنه نبيهم و رسولهم. و في أَخَذَ و هي في معنى الاستخلاف، و لذلك دخلت لام القسم في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ لطيفة أخرى، و هي كأنها البيعة التي تؤخذ للخلفاء و لعل أيمان الخلفاء أخذت من هذا، فانظر إلى هذا التعظيم للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من ربه.
فإذا عرفت هذا فالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نبيّ الأنبياء، و لهذا أظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه. و في الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلّى بهم، و لو اتفق مجيئه في زمن آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى وجب عليهم و على أممهم الإيمان به (صلّى اللّه عليه و سلم) و نصرته. و بذلك أخذ اللّه الميثاق عليهم، فنبوته (صلّى اللّه عليه و سلم) و رسالته إليهم معنى حاصل له. و إنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخّر الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما يقتضيه. و فرق بين توقّف الفعل
[١] إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع، القرشي، البصروي، الدمشقي. مولده سنة إحدى و سبعمائة، و تفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري و كمال الدين بن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي و لازمه، و أخذ عنه، و أقبل على علم الحديث، و أخذ الكثير عن ابن تيمية، و قرأ الأصول على الأصفهاني، و سمع الكثير، و أقبل على حفظ المتون، و معرفة الأسانيد و العلل و الرجال و التأريخ، حتى برع في ذلك و هو شاب. و صنف في صغره «كتاب الأحكام على أبواب التنبيه»، و وقف عليه شيخه برهان الدين و أعجبه، و صنف التأريخ المسمى بالبداية و النهاية و التفسير. و صنف كتابا في جمع المسانيد العشرة، و اختصر تهذيب الكمال و أضاف إليه ما تأخر في الميزان سماه التكميل، و طبقات الشافعية و رتبه على الطبقات، و له تصانيف مفيدة. و قال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجي:
كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، و أعرفهم بجرحها، و رجالها، و صحيحها و سقيمها. و كان أقرانه و شيوخه يعترفون له بذلك. و كان يستحضر شيئا كثيرا من التفسير و التأريخ، قليل النسيان. و كان فقيها جيد الفهم، صحيح الذهن، يستحضر شيئا كثيرا، و يحفظ التنبيه إلى آخر وقت، و يشارك في العربية مشاركة جيدة، و ينظم الشعر. و ما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا و أفدت منه. توفي في شعبان سنة أربع و سبعين و سبعمائة، و دفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية. الطبقات لابن قاضي شهبة ٣/ ٨٥- ٨٦، و الدارس ١/ ٣٦، و البدر الطالع ١/ ١٥٣، و شذرات الذهب ٦/ ٢٣١.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٠٤، و البيهقي ٢/ ٤٣٣، و مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٩، ٢٦١، و الطبراني في الكبير ١٢/ ٤١٣، و ابن سعد في الطبقات ١/ ١/ ١٢٨.