سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - تنبيهات
فانثنى عنه و في أوداجه* * * جارض أمسك منه بالكظم [١]
نحن آل اللّه في بلدته* * * لم نزل فيها على عهد إبرهم
أشار عبد المطلب إلى قصة تبّع، و خلاصتها- كما ذكر ابن إسحاق (رحمه اللّه تعالى) و غيره: أن تبّعا لما توجه راجعا لبلاده أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر فقالوا له:
أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت و الذهب و الفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة. و إنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده بسوء و بغى عنده. فراح تبّع و هو مجمع لهدم البيت فبعث اللّه تعالى عليهم ريحا فعقفت يديه و رجليه و شنجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني. فقالوا: أحدثت شيئا. فقال: ما أحدثت؟ فقالوا: حدّثت نفسك بشيء. قال:
نعم. فذكر ما أجمع عليه من هدم البيت و إصابة ما فيه. قالوا: ذاك بيت اللّه الحرام و من أراده هلك. قال: ويحكم و ما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدّث نفسك أن تطوف به و تكسوه و تعظمه. فحدّث نفسه بذلك فأطلقه اللّه تعالى، فسار حتى دخل مكة فطافه و سعى بين الصفا و المروة و حلق رأسه، و أقام بمكة ستة أيام ينحر فيها للناس و يطعم أهلها و يسقيهم العسل.
و أري في المنام أن يكسوه فكساه الخصف، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء و الوصائل. و ذكر القصة.
تنبيهات
الأول: أكثر الآثار على أن الحجارة كانت أكبر من العدسة و دون الحمصة، و في بعضها أنها كانت أكبر من ذلك، فكأنها و اللّه تعالى أعلم كان فيها الكبير و الصغير، فحدّث كلّ راء بما رأى أو سمع.
الثاني: إن قيل: قد وقع في زمن يزيد بن معاوية لما أرسل الحصين بن نمير السّكونيّ [٢] فنصب المنجنيق على أبي قبيس و غيره من جبال الكعبة و رمى الكعبة و كسر الحجر الأسود و احترقت الكعبة حتى انهدم جدارها و سقط سقفها، إلى غير ذلك.
فالجواب: إنما لم يمنعوا لأن الدعوة قد تمت و الكلمة قد بلغت و الحجّة قد ثبتت فأخّر
[١] الكظم: مخرج النفس من الحلق يقال: أخذ بكظمه جمعه أكظام و كظام، المعجم الوسيط ٢/ ٧٩٠.
[٢] الحصين بن نمير بن نائل، أبو عبد الرحمن الكنديّ ثم السكوني: قائد، من القساة الأشدّاء، المقدمين في العصر الأموي. من أهل حمص. و هو الذي حاصر عبد اللّه بن الزبير بمكة و رمى الكعبة بالمنجنيق. و كان في آخر أمره على ميمنة عبيد اللّه بن زياد في حربه مع إبراهيم بن الأشتر، فقتل مع ابن زياد على مقربة من الموصل. توفي سنة ٦٧ ه.
الأعلام ٢/ ٢٦٢.