سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - الباب الثامن في تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم
الباب الثامن في تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم
قال السهيلي: و كانت زمزم كما تقدم سقيا إسماعيل (صلّى اللّه عليه و سلم) فحفرها له روح القدس بعقبه.
و في تحفيره إياها بالعقب دون أن يحفرها باليد أو غيره: إشارة إلى أنها لعقبه وراثة و هو محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمته، كما قال تعالى: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ أي في أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم). انتهى.
و لم يزل ماء زمزم ظاهرا ينتفع به سكان مكة.
و لما توفى اللّه سبحانه و تعالى إسماعيل بن إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) ولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء اللّه تعالى أن يليه، ثم ولي البيت مضاض بن عمرو الجرهميّ و بنو إسماعيل و بنو نابت مع جدهم مضاض و أخوالهم من جرهم. ثم نشر اللّه تعالى ولد إسماعيل بمكة، و أخوالهم من جرهم ولاة البيت و الحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم و قرابتهم، و إعظاما للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال.
ثم إن جرهما بغوا بمكة و استحلّوا حلالا من الحرم، فظلموا من دخلها من غير أهلها و أكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرقّ أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة من كنانة و غبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم و إخراجهم من مكة، فآذنوهم، أي أعلموهم، بالحرب، فاقتتلوا، فغلبهم بنو بكر و غبشان فنفوهم من مكة، و كانت مكة في الجاهلية لا تقرّ فيها ظلما و لا بغيا، و لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، و لا يريدها ملك يستحلّ حرمتها إلا أهلكته مكانه.
فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض بغزالي الكعبة و بحجر الركن، فدفن الغزالين في زمزم و ردمها، و مرّت عليها السنون عصرا بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى بوّأها اللّه تعالى لعبد المطلب.
و انطلق عمرو بن الحارث بن مضاض و من معه من جرهم إلى اليمن.
حفر عبد المطلب و روى قصة حفر عبد المطلب لزمزم ابن إسحاق عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و البيهقيّ عن الزّهري: أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر أتي فقيل له: أحفر برّة. قال: و ما برّة؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فأتي فقيل: له: احفر المضنونة. قال: و ما المضنونة؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فقيل له: