سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - تفسير الغريب
فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر. فقال: لأني أصابني عطش شديد. و قيل لربيعة من أين علمت اللحم؟ قال لأن لحم الكلب يعلو شحمه بخلاف لحم الشاة فإن شحمها يعلو لحمها.
و قيل لإياد: من أين علمت أن نسبي لغير أبي؟ قال: لأنه وضع الطعام و لم تجلس معنا فيكون أصلك دنيئا.
فقال: قصّوا عليّ قصتكم. فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم و ما كان من الاختلاف بينهم. ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير و الإبل، فسمى مضر الحمراء. قال: و ما أشبه الخباء الأسود من دابة و مال فهو لربيعة فصارت إليه الخيل و هي دهم.
فسمى ربيعة الفرس. قال: و ما أشبه الخادم و كانت شمطاء من مال فيه بلق فهو لإياد فصارت الماشية البلق له فقيل إياد الشمطاء. و قضي لأنمار بالدراهم و الأرض فساروا من عنده و هم على ذلك.
قال محمد بن السائب فيما رواه البلاذريّ عنه: و مضر أول من حدا للإبل و كان سبب ذلك أنه سقط من بعيره و هو شاب فانكسرت يده فقال: يا يداه يا يداه فأتت إليه الإبل من المرعى فلما صح و ركب حدا، و كان من أحسن الناس صوتا. قال البلاذري: و قيل بل كسرت يد مولى له فصاح فاجتمعت عليه الإبل فوضع الحداء و زاد الناس فيه قال السهيلي و في الحديث: «لا تسبّوا ربيعة و مضر فإنهما كانا مؤمنين» [١].
و روى ابن حبيب بسند جيد عن سعيد بن المسيّب مرسلا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تسبّوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم» [٢] و رواه الزبير و البلاذري بسند جيد عن الحسن مرسلا مثله. و رواه البلاذري عن عبيد اللّه بن خالد مرسلا نحوه.
و روى ابن حبيب بسند جيد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: مات أدد والد عدنان، و عدنان، و معدّ، و ربيعة، و مضر، و قيس عيلان و تيم و أسد و ضبة و خزيمة على الإسلام على ملة إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم).
و مما يؤثر من حكم مضر: من يزرع شرا يحصد ندامة، و خير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، و اصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح و الفساد إلّا صبر فواق.
الفواق: قال في الصّحاح ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تحلب.
[١] انظر فتح الباري ٧/ ١٤٦.
[٢] أخرجه ابن سعد في الطبقات بنحوه ١/ ١/ ٣٠، و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٣٩٨٧).