سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل
و خرجوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون على كل منهل.
و أصيب أبرهة في جسده و خرجوا به معهم يسقط منه أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدّة و دم و قيح حتى قدموا به صنعاء و هو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع قلبه.
و لما أصبح عبد المطلب أشرف و معه أبو مسعود يقوده. فقال له أبو مسعود: انظر نحو البحر. قال: أرى طيرا بيضا. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: قد دارت فوق رؤوسنا.
قال: هل تعرفها؟ قال: لا. قال: ما هي بنجدية و لا تهامية و لا يمانية و لا شاميّة و إنها لطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها؟ قال: أمثال اليعاسيب في مناقيرها الحصى كحصى الخذف و هي أبابيل يتبع بعضها بعضا، أمام كل رفّة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، حتى إذا جازت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن.
ثم إن عبد المطلب أرسل ابنا له على فرس له سريع لينظر ما جرى للقوم فذهب الفرس نحوهم فرآهم مشدّخين جميعا فرجع يرفع فرسه كاشفا عن فخذه فلما رأى ذلك عبد المطلب قال: إنّ ابني لأفرس العرب و ما كشف عن عورته إلا بشيرا أو نذيرا. فلما دنا منهما قالا له: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا. فانحطّا من الجبل ربوة أو ربوتين فلم يؤنسا أحدا، فلما دنيا من المعسكر وجدا القوم خامدين، فعمد عبد المطلب و أخذ فأسا و حفر حتى أعمق في الأرض و ملأ من الذهب و الجوهر و حفر أيضا لصاحبه حفيرة و ملأها كذلك، و جلس كل واحد على حفرته، و نادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا و أصابوا من ذلك ما ضاقوا به ذرعا.
و ازداد عبد المطلب عظما لعدم خروجه من مكة.
و أرسل اللّه سبحانه و تعالى سيلا عظيما فاحتمل جثث الحبشة فألقاهم في البحر.
و لما أهلك اللّه تعالى الحبشة عظّمت العرب قريشا و قالوا: أهل اللّه تعالى، قاتل عنهم و كفاهم مؤنة عدوّهم و قالوا في ذلك أشعارا كثيرة، منها قول عبد المطلب كما ذكره البلاذري [١] و رجح الزبير أنها لمغيرة:
قلت و الأشرم يردي خيله* * * إنّ ذا الأشرم غرّ بالحرم
رامه تبّع فيمن جمّعت* * * حمير و الحيّ من آل قدم
[١] أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري: مؤرخ، جغرافي، نسابة، له شعر. من أهل بغداد. جالس المتوكل العباسي، و مات في أيام المعتمد، و له في المأمون مدائح. و كان يجيد الفارسية و ترجم عنها كتاب «عهد أزدشير» و أصيب في آخر عمره بذهول شبيه بالجنون فشد بالبيمارستان إلى أن توفي. نسبته إلى حب البلاذر قيل: إنه أكل منه فكان سبب علته. من كتبه «فتوح البلدان» و «القرابة و تاريخ الأشراف»، و يسمى «أنساب الأشراف». توفي سنة ٢٧٩ ه. الأعلام ١/ ٢٦٧.