سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - فوائد
جميعكم. ففعلوا. ثم قال: و اللّه إن إلقاءنا للموت بأيدينا لا نضرب في الأرض و نبتغي لعل اللّه تعالى يسقينا لعجز. فقال لأصحابه: ارتحلوا. فارتحلوا و ارتحل، فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عين من تحت خفّها بماء عذب، فكبّر عبد المطلب، و كبّر أصحابه ثم نزل فشرب و شرب أصحابه و استقوا و أسقوا، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا اللّه تعالى. فجاؤوا و استقوا و أسقوا، قالوا: يا عبد المطلب قد و اللّه قضي لك علينا، لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. و لم يصلوا إلى الكاهنة و خلّوا بينه و بينها.
فلما رجع عبد المطلب أكمل حفر زمزم و جعل عليها حوضا يملأه و يشرب الحاج منه، فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربّه، فأري في المنام فقيل له: قل: اللّهم إني لا أحلّها لمغتسل، و لكن هي لشارب حلّ و بلّ. ثم كفيتهم. فقام عبد المطلب فنادى بالذي أري، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد إلّا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه و سقايته.
و ذكر ابن إسحاق- (رحمه اللّه تعالى)- أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب و هما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، و وجد فيها أسيافا قلعيّة و أدرعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك و حقّ. قال: لا، و لكن هلموا إلى أمر نصف بيني و بينكم، نضرب عليها بالقداح. قالوا: و كيف نصنع؟ قال: اجعل للكعبة قدحين، و لي قدحين، و لكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، و من تخلّف قدحاه فلا شيء له.
قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة و قدحين أسودين لعبد المطلب و قدحين أبيضين لقريش. ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، و هبل صنم في جوف الكعبة، و قام عبد المطلب يدعو و صاحب القداح يضرب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين، و خرج الأسودان على الأسياف و الأدرع، و تخلّف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة و ضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حلّيته الكعبة.
قال ابن إسحاق- (رحمه اللّه تعالى)-: فلما حفر عبد المطلب زمزم و دلّه اللّه تعالى عليها و خصّه اللّه بها زاده اللّه بها شرفا و خطرا في قومه، و عطّلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت و أقبل الناس عليها التماس بركتها و معرفة فضلها، لمكانها من البيت و أنها سقاية اللّه عزّ و جلّ لإسماعيل (صلّى اللّه عليه و سلم).
فوائد
الأولى: قال السّهيلي- (رحمه اللّه تعالى): الأسياف و الغزلان، كان ساسان ملك الفرس