سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٥ - تنبيهات
و أرادوه على أن ينطلق معهم، فقال لي أمية: يا أبا سفيان انطلق معي فإنك تمضي إلى رجل قد انتهى إليه علم النصرانية فقلت: لست أنطلق معك. فذهب و رجع و قال: تكتم عليّ ما أحدثك به؟ قال: نعم. قال: حدّثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب: أن نبيّا مبعوث، فظننت أنني هو، فقال: ليس منكم، هو من أهل مكة. قلت: ما نسبه؟ قال: وسط قومه. و قال لي: إن آية ذلك أن الشام قد رجفت بعد عيسى ثمانين رجفة، و بقيت رجفة يدخل على أهل الشام منها شرّ و مصيبة: فلما صرنا قريبا من ثنيّة إذا راكب قلنا: من أين؟ قال: من الشام. قلنا: هل كان من حدث؟ قال: نعم، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر و مصيبة.
و روى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كنت جالسا بفناء الكعبة و زيد بن عمرو بن نفيل [١] قاعد، فمرّ به أميّة بن أبي الصّلت فقال: أما إن هذا النبي الذي- ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين. قال: و لم أكن سمعت قبل ذلك بنبيّ ينتظر فلا يبعث.
فخرجت أريد ورقة بن نوفل [٢] فقصصت عليه الحديث فقال: نعم يا بن أخي، أخبرنا أهل الكتاب و العلماء، أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا، و لي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم و ما يقول النبي؟ قال يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم و لا يظالم.
قال: فلما بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) آمنت و صدقت.
فلسطين بكسر الفاء و فتح اللام: ناحية من الشام.
[١] زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي: نصير المرأة في الجاهلية، و أحد الحكماء. و هو ابن عم عمر بن الخطاب. لم يدرك الإسلام، و كان يكره عبادة الأوثان و لا يأكل مما ذبح عليها. و رحل إلى الشام باحثا عن عبادات أهلها، فلم تستمله اليهودية و لا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد اللّه على دين إبراهيم. و جاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى «حراء» فسلط عليه عمه الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا. توفي قبل مبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بخمس سنين. و له شعر قليل، منه البيت المشهور:
«أ ربا واحدا أم ألف ربّ* * * أدين إذا تقسمت الأمور؟»
توفي ١٧ ق ه، الأعلام ٣/ ٦٠.
[٢] ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، من قريش: حكيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، و امتنع من أكل ذبائحها، و تنصر، و قرأ كتب الأديان. و كان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. أدرك أوائل عصر النبوة، و لم يدرك الدعوة.
و هو ابن عم خديجة أم المؤمنين، و
في حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) رجع إلى خديجة، و فؤاده يرتجف، فأخبرها، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل «و كان شيخا كبيرا قد عمي» فقالت له خديجة: يا بن عمّ اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي ما ذا ترى؟ فأخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل اللّه على موسى، يا ليتني فيها جذع! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللّه: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
توفي سنة ١٢ ق. ه. الأعلام ٨/ ١١٤، ١١٥.