سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٦ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
و قال في موضع آخر: هذا بدعة، و لكنها بدعة لا بأس بها، و لكن لا يجوز له أن يسأل الناس بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسؤول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح أرجو أن لا ينتهي إلى الكراهة.
و قال الحافظ- (رحمه اللّه تعالى)-: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، و لكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن و ضدّها، فمن تحرّى في عمله المحاسن و تجنّب ضدّها كان بدعة حسنة و من لا فلا. قال: و قد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، و هو ما
ثبت في الصحيحين من أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق اللّه فيه فرعون و أنجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا للّه تعالى. فقال: «أنا أحقّ بموسى منكم. فصامه و أمر بصيامه».
فيستفاد من فعل ذلك شكرا للّه تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، و يعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، و الشكر للّه تعالى يحصل بأنواع العبادات و السجود و الصيام و الصدقة و التلاوة، و أيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبيّ الرحمة في ذلك اليوم؟
و على هذا فينبغي أن يتحرّى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى (صلّى اللّه عليه و سلم) في يوم عاشوراء، و من لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسّع قوم حتى نقلوه إلى أي يوم من السّنة. و فيه ما فيه.
فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد.
و أما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر للّه تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة و الإطعام و الصدقة و إنشاد شيء من المدائح النبوية و الزّهدية المحرّكة للقلوب إلى فعل الخيرات و العمل للآخرة و أما ما يتبع ذلك من السماع و اللهو و غير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يتعيّن السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، و مهما كان حراما أو مكروها فيمنع و كذا ما كان خلافا للأولى. انتهى.
و قال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري [١] (رحمه اللّه تعالى): قد رئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفّف عني كل ليلة اثنين و أمصّ
[١] محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين، العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، الشهير بابن الجزري: شيخ الإقراء في زمانه. من حفاظ الحديث. ولد و نشأ في دمشق، و ابتنى فيها مدرسة سماها «دار القرآن» و رحل إلى مصر مرارا، و دخل بلاد الروم، و سافر مع تيمورلنك إلى ما وراء النهر. ثم رحل إلى شيراز فولي قضاءها. و مات فيها. نسبته إلى «جزيرة ابن عمر». من كتبه «النشر في القراآت العشر»، و «غاية النهاية في طبقات القراء» اختصره من كتاب آخر له اسمه «نهاية الدرايات في أسماء رجال القراآت» و «التمهيد في علم التجويد» توفي سنة ٨٨٣ ه. انظر الأعلام ٧/ ٤٥.