سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٧ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
من بين إصبعيّ هاتين ماء بقدر هذا- و أشار لرأسي إصبعيه- و إن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشّرتني بولادة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و بإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في النار لفرحه ليلة مولد محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) فما حال المسلم الموحّد من أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) ببشره بمولده و بذل ما تصل إليه قدرته في محبته؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من اللّه الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
و ذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي- (رحمه اللّه تعالى)- ثم أنشد:
إذا كان هذا كافر جاء ذمّه* * * و تبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتى أنّه في يوم الاثنين دائما* * * يخفّف عنه بالسّرور بأحمدا
فما الظّنّ بالعبد الّذي كان عمره* * * بأحمد مسرورا و مات موحّدا
و قال شيخنا- (رحمه اللّه تعالى)- في فتاويه: عندي أن أصل المولد الذي هو اجتماع الناس و قراءة ما تيسر من القرآن و رواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما وقع في مولده من الآيات ثم يمدّ لهم سماط يأكلونه و ينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و إظهار الفرح و الاستبشار بمولده الشريف.
قال: و قد ظهر لي تخريجه على أصل صحيح غير الذي ذكره الحافظ، و هو ما رواه البيهقي عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، و العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله (صلّى اللّه عليه و سلم) إظهارا للشكر على إيجاد اللّه تعالى إياه رحمة للعالمين و تشريعا لأمته (صلّى اللّه عليه و سلم)، كما كان يصلّي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده (صلّى اللّه عليه و سلم) بالاجتماع و إطعام الطعام و نحو ذلك من وجوه القربات و المسرّات.
و قال في شرح سنن ابن ماجة: الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلا عن المنكرات شرعا. انتهى.
و يرحم اللّه تعالى القائل:
لمولد خير العالمين جلال* * * لقد غشي الأكوان منه جمال
فيا مخلصا في حقّ أحمد هذه* * * ليال بدا فيهنّ منه هلال
فحقّ علينا أن نعظّم قدره* * * فتحسن أحوال لنا و فعال
فنطعم محتاجا و نكسو عاريا* * * و نرفد من أضحى لديه عيال