سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - تفسير الغريب
فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهرا طويلا و نسينا ذلك، فهلك قوم و حدث آخرون و صرت رجلا كبيرا، فإذا مثل ذلك الصياح بعينه: يا أهل يثرب قد خرج محمد و تنبّأ و جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى (عليه الصلاة و السلام). فلم أنشب أن سمعت أن بمكة رجلا خرج يدّعي النبوّة، و خرج من خرج من قومنا و تأخر من تأخر و أسلم فتيان منا أحداث و لم يقض لي أن أسلم، حتى قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة [١].
أنشب: أي لم ألبث.
و روى أبو نعيم عن أبي سعيد مالك بن سنان الخدري [٢] بالخاء المعجمة و الدال المهملة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: سمعت أبي يقول: جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظلّ خروج نبيّ يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقيل له: ما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير و لا بالطويل، في عينيه حمرة يلبس الشّملة و يركب الحمار، سيفه على عاتقه، و هذه البلد مهاجره. فرجعت إلى قومي بني خدرة و أنا أتعجّب مما قال، فأسمع رجلا منا يقول: و يوشع يقول هذا وحده؟ كلّ يهود يثرب تقول هذا. فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال الزّبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي و ظهوره، و لم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد و هذه مهاجره.
أظلّ: قرب.
و روى ابن عساكر عن كعب- (رحمه اللّه تعالى)- قال: كان إسلام أبي بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه- سببه وحي من السماء، و ذلك أنه كان تاجرا بالشام فرأى رؤيا فقصّها على بحيرى الراهب فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة. قال: من أيّها؟ قال: من قريش. قال:
فأيّ شيء أنت؟ قال: تاجر. قال: صدّق اللّه تعالى رؤياك، فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته و خليفته بعد موته. فأسرّها أبو بكر حتى بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدّعي؟
قال: الرؤيا التي رأيت بالشام.
فعانقه و قبل بين عينيه و قال: أشهد أنك رسول اللّه.
[١] أخرجه أبو نعيم في الدلائل ٣٨.
[٢] سعد بن مالك بن سنان بنونين ابن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة بضم المعجمة الخدري أبو سعيد، بايع تحت الشجرة، و شهد ما بعد أحد، و كان من علماء الصحابة، له ألف و مائة حديث و سبعون حديثا، اتفقا على ثلاثة و أربعين، و انفرد (خ) بستة و عشرين، و (م) باثنين و خمسين. و عنه طارق بن شهاب، و ابن المسيّب، و الشّعبي، و نافع، و خلق.
قال الواقدي: مات سنة أربع و سبعين. الخلاصة ١/ ٣٧١.