سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - تفسير الغريب
و يرحم اللّه الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال:
تنقّل أحمد نورا مبينا* * * تلألأ في وجوه السّاجدينا
تقلّب فيهم قرنا فقرنا* * * إلى أن جاء خير المرسلينا
المسلك الثالث: أن اللّه تعالى أحياهما له (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى آمنا به. و هذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من الأئمة و حفّاظ الحديث و استندوا إلى حديث ورد بذلك لكن إسناده ضعيف.
و قد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، و ليس بموضوع، و قد نص ابن الصلاح في علوم الحديث و سائر من تبعه على أن ابن الجوزي تسامح في كتابه الموضوعات فأورد فيه أحاديث و حكم بوضعها و ليست بموضوعة بل هي ضعيفة فقط، و ربما تكون حسنة أو صحيحة.
قال الحافظ زين الدين العراقي (رحمه اللّه تعالى) في ألفيته:
و أكثر الجامع فيه إذ خرج* * * لمطلق الضّعف عنى أبا الفرج
و قد ألف شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر [١] (رحمه اللّه تعالى) كتابا سماه: «القول المسدّد في الذّب عن مسند أحمد» أورد فيه جملة من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات و هي في مسند أحمد. و درأ عنها أحسن الدّرء، و وهّم ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع، و بيّن أن منها ما هو ضعيف فقط من غير أن يصل إلى حد الوضع، و منها ما هو حسن، و منها ما هو صحيح، و أبلغ من ذلك أن منها حديثا مخرّجا في صحيح مسلم. حتى قال شيخ الإسلام: هذه غفلة شديدة من ابن الجوزي حيث حكم على هذا الحديث بالوضع و هو في أحد الصحيحين. انتهى.
و سبقه إلى شيء من هذا التعقب شيخه حافظ عصره زين الدين العراقي، و رأيت في فهرست مصنفات شيخ الإسلام أنه شرع في تأليف تعقبات على ابن الجوزي، و لم أقف على هذا التأليف، و قد تتبّعت أنا منه جملة من الأحاديث ليست بموضوعة، فمنها ما هو في سنن أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و مستدرك الحاكم و غيرها من الكتب المعتمدة و بيّنت حال كل حديث منها ضعفا و حسنا و صحة في تأليف حافل، يسمى: «النكت البديعات على الموضوعات».
[١] أحمد بن عليّ بن محمد الكنانيّ العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين بن حجر: من أئمة العلم و التاريخ. أصله من عسقلان (بفلسطين) و مولده و وفاته بالقاهرة. ولع بالأدب و الشعر ثم أقبل على الحديث، و رحل إلى اليمن و الحجاز و غيرهما لسماع الشيوخ، و علت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه و أصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاويّ:
«انتشرت مصنفاته في حياته و تهادتها الملوك و كتبها الأكابر» و كان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين و أخبار المتأخرين، صبيح الوجه. و ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» و «لسان الميزان». توفي سنة ٨٥٢ ه. انظر الأعلام ١/ ١٧٨.