سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
و في حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح: أن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك.
و في لفظ آخر: أن القواعد كانت في الأرض السابعة. رواه ابن أبي حاتم. انتهى.
قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة و إبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، أي المقام، فوضعه له فقام عليه إبراهيم عليه و على نبينا الصلاة و السلام، و هو يبني و إسماعيل يناوله الحجارة و هما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
و في حديث: أبي جهم: و حلّقت السّكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن عليّ. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا كافر و لا جبّار إلا رأيت عليه السّكينة.
فبنى إبراهيم البيت فجعل طوله في السماء تسعة أذرع و عرضه ثلاثين ذراعا و طوله في الأرض اثنين و عشرين ذراعا، و أدخل الحجر و هو سبعة أذرع في البيت، و كان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، و إنما بناه بحجارة بعضها على بعض و لم يجعل له سقفا، و جعل له بابين و حفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت، و جعل الركن علما للناس.
فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، و نزل جبريل عليه و على نبينا الصلاة و السلام بالحجر الأسود، و كان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض لمّا رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، و جاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك و لا إلى حجرك.
و لما فرغ إبراهيم من بناء البيت و أدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل.
و روى البيهقي عن وهب بن منبه- (رحمه اللّه تعالى)- قال: لمّا أغرق اللّه الأرض رفع البيت فوضع تحت العرش، و مكثت الأرض خرابا ألفي سنة، فلم تزل على ذلك حتى كان إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) فأمره اللّه سبحانه و تعالى أن يبني بيته، فجاءت السّكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، و لها وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدر ظلي فابن عليه و لا تزد شيئا و لا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلّها ثم بنى هو و إسماعيل البيت، و لم يجعل له سقفا، و كان الناس يلقون فيه الحليّ و المتاع، حتى إذا كاد أن يمتلئ اتّعد له خمسة نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية و اقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، و بعث اللّه سبحانه- عند ذلك حيّة