سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
تسعة أذرع، و عرضه في الأرض اثنين و ثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر، و جعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين و عشرين ذراعا، و جعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا و ثلاثين ذراعا، و جعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، و جعل بابها بالأرض غير مبوّب، و جعل جبّا على يمين من دخله يكون خزانة للبيت.
و ذكر ابن الحاجّ المالكي [١]- (رحمه اللّه تعالى)- في مناسكه شيئا من خبر بناء إبراهيم البيت، ثم قال: و كان صفة بناء إبراهيم البيت أنه كان مدوّرا من ورائه، و كان له ركنان و هما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنوه أربعة أركان. انتهى.
إبراهيم يؤذن بالحج قال أبو جهم: و أمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذّن في الناس بالحج، فقال: يا رب، و ما يبلغ صوتي؟ قال اللّه جل ثناؤه: «أذّن و عليّ البلاغ».
فارتفع على المقام- و هو يومئذ ملصق بالبيت- فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى و أدخل إصبعيه في أذنيه، و أقبل بوجهه شرقا و غربا يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربّكم عز و جل. فأجابه من تحت البحور السبعة و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أطراف البيت كلها: لبيك اللّهم لبيك. أ فلا تراهم يأتون يلبّون؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب للّه عز و جل و ذلك قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج، فهي الآية.
قال محمد بن عمر الأسلمي راويه (رحمه اللّه تعالى): و قد روى أن الآية هي أثر إبراهيم على المقام.
و روى الفاكهي [٢] بإسناد صحيح عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال و أرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة: لبّيك اللّهم لبيك.
[١] محمد بن محمد بن محمد بن الحاج، أبو عبد اللّه العبدري المالكي الفاسي، نزيل مصر: فاضل. تفقه في بلاده، و قدم مصر، و حج. و كف بصره في آخر عمره و أقعد. و توفي بالقاهرة، عن نحو ٨٠ عاما. له «مدخل الشرع الشريف»، قال فيه ابن حجر: كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب و بدع يفعلها الناس و يتساهلون فيها، و أكثرها مما ينكر، و بعضها مما يحتمل. و له «شموس الأنوار و كنوز الأسرار» و «بلوغ القصد و المنى في خواص أسماء اللّه الحسنى. توفي سنة ٧٣٧ ه. الأعلام ٧/ ٣٥.
[٢] محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي: مؤرخ. من أهل مكة. كان معاصرا للأزرقي، متأخرا عنه في الوفاة له «تاريخ مكة». توفي ٢٧٢ ه. الأعلام ٦/ ٢٨.