سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
و روي أيضا عنه قال: و اللّه ما بناه بقصّة و لا مدر، و لا كان لهما من السعة و الأعوان ما يسقّفانه.
و روي أيضا عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان إبراهيم يبني كل يوم ساقا.
القصّة بالفتح: الجير. الساق: العرق من الحائط.
و روى ابن أبي شيبة و ابن منيع و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الحاكم- و صححه- و البيهقي عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: لمّا فرغ إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت. قال: أذّن في الناس بالحج. قال: يا رب، و ما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن و عليّ البلاغ. قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء و من في الأرض، ألا ترى أنهم يأتون من أقصى الأرض يلبّون؟.
و روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: لما أمر اللّه- سبحانه و تعالى- إبراهيم أن يؤذّن بالحج صعد أبا قبيس فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يا أيها الناس، إن اللّه كتب عليكم الحجّ، فأجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال و أرحام النساء، و أول من أجاب أهل اليمن، فما من حاجّ يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب يومئذ إبراهيم.
إبراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصّفا و المروة، و أقامه على حدود الحرم، و أمره أن ينصب عليه الحجارة، ففعل ذلك إبراهيم و كان أول من أقام أنصاب الحرم و يريه إياها جبريل.
فلما كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة حين زاغت الشمس قائما و إسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها و عصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية.
و أتيا منى فصلّيا بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، و كانا نزلا من الجانب الأيمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج إبراهيم يمشي هو و إسماعيل حتى أتيا عرفة و جبريل معهما، يريهما الأعلام حتى نزلا بنمرة، و جعل يريه أعلام عرفات، و كان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: عرفت. فسمّيت عرفات.
فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات و إسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر و العصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى