سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥١ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
هذا الغلام و أبوه. و أشار لها إلى موضع البيت.
و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه و شماله و إن اللّه لا يضيع أهله.
و في حديث أبي جهم: فكان ثدياها يقطران لبنا و كان ذلك اللبن طعاما و شرابا لإسماعيل و كانت تجتزئ بماء زمزم و قال لها الملك: لا تخافي أن ينفد هذا الماء و أبشري فإن ابنك سيشبّ و يأتي أبوه من أرض الشام فيبنيان ها هنا بيتا يأتيه عباد اللّه تعالى من أقطار الأرض ملبّين اللّه جلّ ثناؤه شعثا غبرا فيطوفون به، و يكون هذا الماء شرابا لضيفان اللّه تعالى الذين يزورون بيته. فقالت: بشّرك اللّه تعالى بخير. و طابت نفسها و حمدت اللّه تعالى.
و أقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما و قد عطشا، و أهلهما بعرفة فنظرا إلى طير تهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك و قالا: أنّى يكون الطير على غير ماء؟! فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى الطير. فأبردا ثم تروّحا فإذا الطير ترد و تصدر فاتّبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس فنظرا إلى الماء و إلى العريش فنزلا و كلّما هاجر و سألاها متى نزلت فأخبرتهما. و قالا لمن هذا الماء؟ فقالت: لي و لولدي فقالا: من حفره؟
فقالت: سقيا من اللّه تعالى. فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هناك ماء و عهدهما بماء هناك قريب و ليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معهما على الماء فأنست بهم و معهم الذرية فنشأ إسماعيل بين ولدانهم.
و كان إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) يزور هاجر في كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. فزارها بعد و نظر إلى من هناك من العماليق و إلى كثرتهم و غمارة الماء فسرّ بذلك.
و لما بلغ إسماعيل تزوج امرأة منهم من العماليق فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل و إسماعيل في ماشيته يرعاها و يخرج متنكبّا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم إلى منزله فقال:
السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت امرأة إسماعيل فلم تردّ إلا أن تكون ردّت في نفسها.
فقال: هل من منزل؟ فقالت: لاها اللّه إذن. قال: فكيف طعامكم و شرابكم؟ فذكرت جهدا فقالت: أمّا الطعام فلا طعام و أما الشراب فإنما نحلب الشاة المصر أي الشّخب و أما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. قال: فأين ربّ البيت؟ قالت: في حاجته. قال: فإذا جاء فأقرئيه السلام و قولي له: غيّر عتبة بابك. و رجع إبراهيم إلى منزله.
و أقبل إسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء اللّه عز و جل، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته: هل جاءك أحد: فأخبرته بإبراهيم و قوله و ما قالت له ففارقها و أقام ما شاء اللّه أن يقيم.