سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - تفسير الغريب
و كانت خزاعة مستولية على الأبطح، و كانت قريش تنزل الشّعاب و الجبال و أطراف مكة و ما حولها فخطب قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبّى، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته و حليل يومئذ يلي الكعبة و أمر مكة.
فأقام قصي معه و ولدت له حبّى أولاده، فلما انتشر ولده و كثر ماله و عظم شرفه هلك حليل، و أوصى بولاية البيت لابنته حبّى فقالت: لا أقدر على فتح الباب و إغلاقه. فجعل ذلك لأبي غبشان، بضم الغين المعجمة و سكون الموحدة بعدها شين معجمة- و اسمه المحترش- بميم فحاء مهملة و يقال بمعجمة فتاء مثناة فوقية، فراء فشين معجمة- بن حليل و كان في عقله خلل، فاشترى قصيّ منه ولاية البيت بزقّ خمر و قعود. فضربت به العرب المثل فقالت: أخسر صفقة من أبي غبشان!.
فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه أنكرت خزاعة ذلك و كثر كلامها، و أجمعوا على حرب قصي و قريش و طردهم عن مكة و ما والاها:
فبادر قصيّ فاستصرخ أخاه رزاح بن ربيعة فحضر هو و إخوته، و كانت بنو صوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر و لا يرمي حتى يرموا، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل، فأتاهم قصي بمن معه من قريش و كنانة و قضاعة عند العقبة فقال لبني صوفة: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا و كثر القتل في الفريقين فانهزمت صوفة و غلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك، فانحازت خزاعة و بنو بكر عن قصيّ، و علموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة، و أنه سيحول بينهم و بين الكعبة و أمر مكة، فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة و بنو بكر فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح و أن يحكّموا رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب المعروف بالشدّاخ فقضى بينهم بأن قصيّا أولى بالكعبة و أمر مكة من خزاعة، و أن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه، و أن ما أصابته خزاعة و بنو بكر من قريش و بني كنانة فيه الدّية. فودوا خمسمائة و عشرين دية و ثلاثين جريحا. و أن يخلّى بين قصيّ و بين البيت. فسمي يعمر بن عوف الشدّاخ لما شدخ من الدماء و وضع.
فولى قصيّ أمر الكعبة و مكة و جمع قومه من منازلهم إلى مكة فملّكوه عليهم، و لم تكن مكة بها بيت في الحرم و إنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جناية، و لم يكن بها بيت قديم.
فلما جمع قصيّ قريشا- و كان أدهى من رئي من العرب- قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت؟ فو اللّه لا يستحل العرب قتالكم و لا يستطيعون