سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - تفسير الغريب
إخراجكم منه و تسكنونه فتسودوا العرب أبدا. فقالوا: أنت سيدنا و رأينا تبع لرأيك. فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة.
و كان قصيّ أول بني كعب بن لؤيّ أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة و السّقاية و الرّفادة و النّدوة و اللواء، و حاز شرف مكة كله جميعا. فسمى مجمّعا لجمعه قومه.
و في ذلك قال الشاعر:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر
و أنتم بنو زيد و زيد أبوكم* * * به زيدت البطحاء فخرا على فخر
و بنى دار الندوة. و الندوة في اللغة: الاجتماع. لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة و غير ذلك، فلا تنكح امرأة و لا يتزوج رجل من قريش، و لا يتشاورون في أمر إلا في داره، و لا يعقدون لواء حرب إلا فيها يعقدها لهم قصي أو بعض بنيه.
قال أبو عبيدة: و لما ولي قصي أمر مكة قال: يا معشر قريش، إنكم جيران اللّه و جيران بيته، و أهل حرمه، و إن الحاج زوّار بيت اللّه فهم أضياف اللّه و أحق الأضياف بالكرامة أضياف اللّه فترافدوا، فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام الحج حتى يصدروا، و لو كان مالي يسع ذلك قمت به، ففرض عليهم خرجا تخرجه قريش من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاما و شرابا و لبنا و غير ذلك للحاج بمكة و عرفة فجرى ذلك من أمره حتى قام الإسلام.
قال السهيلي (رحمه اللّه تعالى): و كان قصيّ يسقي الحجيج في حياض من أدم ينقل إليها الماء من بئر ميمون و غيرها خارج مكة، و ذلك قبل أن يحفر العجول.
و روى البلاذريّ عن معروف بن خرّبوذ و غيره قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤيّ بن غالب خارج مكة و من حياض و من مصانع على رؤوس الجبال و من بئر حفرها مرّة بن كعب مما يلي عرفة. فحفر قصي بئرا سماها العجول، و هي أول بئر حفرتها قريش بمكة و فيها يقول رجّاز الحاجّ:
نروي [من] العجول ثمّ ننطلق* * * إنّ قصيّا قد وفى و قد صدق
بالشّبع للنّاس وريّ مغتبق
و قال آخر:
آب الحجيج طاعمين دسما* * * أشبعهم زيد قصيّ لحما
و لبنا محضا و خبزا هشما
خرّبوذ بفتح المعجمة و تشديد الراء و بسكونها ثم بموحدة مضمومة و واو ساكنة. و آب.
بالمد: رجع.