سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
بيضاء سوداء الرأس و الذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم تزل كذلك حتى بنته قريش.
و روى الأزرقي عن عثمان بن ساج [١]- (رحمه اللّه تعالى)- قال: بلغنا- و اللّه تعالى أعلم- أن خليل اللّه- سبحانه و تعالى- عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض: مشارقها و مغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل اللّه اخترت حرم اللّه في الأرض فبناه من سبعة أجبل، و يقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال.
و روى الأزرقي عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- و عن مجاهد، و عن بشر بن عاصم [٢] متفرقين، أن إبراهيم- عليه و على نبينا الصلاة و السلام- أقبل من إرمينية
- و قال مجاهد: من الشام. و معه السّكينة و الملك و الصّرد دليلا، يتبوّأ البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن أسّها أمثال خلفة الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال اللّه تعالى: «قم فابن لي بيتا» قال: يا رب و أين أبني؟ فبعث اللّه- سبحانه و تعالى- سحابة فيها رأس تكلّم إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تخطّ قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها و يأخذ قدرها، فقال له الرأس: قد فعلت.
و في لفظ: فقالت السكينة: يا إبراهيم ربضت على البيت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أسّ ثابت في الأرض، فبناه إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك و لا أعرابي جلف إلا و عليه السكينة و الوقار.
و روى الأزرقي عن قتادة (رحمه اللّه تعالى) قال: ذكر لنا أن إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) بنى البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، و طور زيتا، و لبنان، و الجوديّ، و حراء.
قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): انتبه لحكمة اللّه تعالى كيف بناها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها، إذ هي قبلة الصلوات الخمس عمود الإسلام الذي بني على خمس، و كيف دلّت عليه السكينة إذ هي قبلة الصلوات الخمس و السكينة من شأن الصلاة.
قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «و ائتوها و عليكم السّكينة»
[٣].
و روى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل (صلّى اللّه عليه و سلم) لما بنى البيت جعل طوله في السماء
[١] عثمان بن عمرو بن ساج الأموي مولاهم. عن الزهري مرسلا. و عن سهيل بن أبي صالح. و عنه سعيد بن سالم القدّاح.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و لا يحتج به. و قال ابن حبّان. ثقة. الخلاصة ٢/ ٢١٩.
[٢] بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد اللّه الثّقفي. عن أبيه و ابن المسيّب. و عنه ابن جريج و نافع بن عمر. وثقه ابن معين.
توفي بعد الزّهري.
[٣] أخرجه البخاري ٢/ ٣٩٠ كتاب الجمعة (٩٠٨)، و مسلم ١/ ٤٢٠- ٤٢١ كتاب المساجد و مواضع الصلاة (١٥١/ ٦٠٢).