دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٣٦ - باب ذكر أخبار رويت في زهده في الدنيا و صبره على القوت الشديد فيها، و اختياره الدار الآخرة، و ما أعدّ اللّه تعالى له فيها، على الدنيا
(١) عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، في هذه القصة، قال: فجلست فرفعت رأسي في البيت، فو اللّه ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر إلا أهب ثلاثة، فقلت: ادع اللّه يا رسول اللّه أن يوسع على أمتك، فقد وسّع على فارس و الروم، و هم لا يعبدون اللّه. فاستوى جالسا، فقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت:
أستغفر اللّه يا رسول اللّه. و كان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن، حتى عاتبه اللّه، عز و جل.
قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: فلما مضى تسع و عشرون ليلة، دخل عليّ رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم). بدأ بي، فقلت: يا رسول اللّه، أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، إنك دخلت عليّ من تسع و عشرين أعدّهنّ. فقال: إنّ الشهر تسع و عشرون. ثم قال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك. قالت:
ثم قرأ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [٦] قالت: قد علم و اللّه، إن أبي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: قلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد اللّه و رسوله و الدار الآخرة.
رواه مسلم في الصحيح [٧]، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق.
[٦] الآية الكريمة (٢٨) من سورة الأحزاب.
[٧] أخرجه البخاري في: ٦٧- كتاب النكاح (٨٣) باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، فتح الباري (٩: ٢٧٨)، و مسلم في: ١٨- كتاب الطلاق، (٥) باب في الإيلاء، حديث (٣٥)، ص (١١١٣).