السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٣ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
أمه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، فقال لها: إن في الموت لراحة فقالت: لعلك تبغيه لي ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك: إما قتلت، و إما ظفرت بعدوك فقرت عيني. و لما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد، فقالت له: يا بنيّ لا تقبلنّ منهم حطة تخاف فيها على نفسك، الذي تخافه القتل، فو اللّه لضربة بالسيف في عزّ خير من ضربة سوط في ذل.
و يقال إن الناس لا زالوا يتنقلون عن ابن الزبير إلى الحجاج لطلب الأمان و هو يؤمنهم، حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف حتى كان من جملة من خرج إليه حمزة و خبيب ابنا عبد اللّه بن الزبير و أخذ لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما.
و دخل عبد اللّه على أمه فشكا إليها خذلان الناس له و خروجهم إلى الحجاج حتى أولاده و أهله، و أنه لم يبق معه إلا اليسير، و القوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق و تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل أصحابك عليه، و لا تمكن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أمية، و إن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك و أهلكت من قتل معك كم خلودك في الدنيا، فدنا منها و قبل رأسها و قال: و اللّه ما ركنت إلى الدنيا، و لا أحببت الحياة فيها، و ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للّه أن تستحل حرمته.
و بعد أن قتل و صلب على الجذع فوق الثنية و مضت ثلاثة أيام جاءت أمه أسماء رضي اللّه تعالى عنها تقاد، لأن بصرها كان قد كف حتى وقفت عليه، فدعت له طويلا و لم يقطر من عينها دمعة، و قالت للحجاج: أ ما آن لهذا الراكب أن ينزل، فقال لها الحجاج المنافق: رأيت كيف نصر اللّه الحق و أظهر أن ابنك ألحد في هذا البيت، و قد قال تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحجّ: الآية ٢٥] و قد أذاقه اللّه ذلك العذاب الأليم.
و في كلام سبط ابن الجوزي أن ابن الزبير لما قال لعثمان رضي اللّه تعالى عنه و هو محاصر إن عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكة فإنهم لا يستحلونك بها، قال له عثمان: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «يلحد رجل في الحرم من قريش أو بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم، فلن أكون أنا».
و في رواية قال له، لا لأني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد اللّه عليه مثل نصف أوزار الناس» هذا كلامه.
و عندي أن المراد بعبد اللّه الحجاج لا ابن الزبير. و لا مانع أن يكون الحجاج من قريش على أن الذي في الصواعق لابن حجر الهيتمي (رحمه اللّه تعالى) أن القائل لعثمان ذلك المغيرة بن شعبة.