السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦٦ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
رجعت إلي نفسي فأخذتها، فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) [الحديد: الآية ١] فكلما مررت باسم من أسمائه عز و جل ذعرت: أي فألقيها ثم ترجع إليّ نفسي فآخذها حتى بلغت آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ [النّساء: الآية ١٣٦] إلى قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: الآية ٩١] فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني، و حمدوا اللّه عز و جل، ثم قالوا: يا بن الخطاب أبشر فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا، فقال «اللهم أعزّ الإسلام» و في لفظ «أيد الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل بن هشام، و إما بعمر بن الخطاب» أي و في لفظ «بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم عمرو بن هشام يعني أبا جهل و عمر بن الخطاب» أي و في غير ما رواية بعمر بن الخطاب، من غير ذكر أبي جهل.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: إنما قال (صلى اللّه عليه و سلم) «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ و لا يعزّ، و لعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها، بدليل تعليلها و استبعادها أن يعزّ الإسلام بعمر فليتأمل. و كان دعاؤه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس. قال عمر رضي اللّه تعالى عنه: «فلما عرفوا مني الصدق، قلت لهم أخبروني بمكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قالوا: هو في بيت بأسفل الصفا و وصفوه: أي و هي دار الأرقم فخرجت» و في رواية «أن عمر قال: يا خباب انطلق بنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقام خباب و ابن عمه سعيد معه قال عمر: فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فما اجترأ أحد أن يفتح لي الباب لما عرفوه من شدّتي على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم يعلموا إسلامي، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): افتحوا له، فإن يرد اللّه به خيرا يهده». و في لفظ يهديه بإثبات الياء، و هي لغة «ففتحوا لي: أي و الذي أذن في دخوله حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه، فإن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، و قيل بثلاثة أشهر. و كان إسلام عمر و هو ابن ست و عشرين سنة. قال: و أخذ رجلان بعضديّ حتى دنوت من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال:
أرسلوه، فأرسلوني، فجلست بين يديه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا بن الخطاب، اللهم اهده، فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت، بطرف مكة».
أي و في الأوسط للطبراني، و رواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات و هو يقول: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غلّ و أبدله إيمانا» أي و لعل خبابا و سعيدا لم يدخلا معه و إلا لبشرا بإسلام عمر.
و في رواية «لما ضرب الباب و سمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه: أي و لم ير معه خبابا و لا سعيدا، فرجع إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو فزع،