السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٢ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و فيه أن هذا الذي حصلت له الظلمة إنما هو تبع الأول، فإنه لما عمد إلى البيت يريد تخريبه، أرسلت عليه ريح كتعت منه يديه و رجليه، و أصابته و قومه ظلمة شديدة. و في رواية أصابه داء تمخض منه رأسه قيحا و صديدا: أي يثج ثجا حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه، فدعا بالأطباء فسألهم عن دائه فهالهم ما رأوا منه و لم يجد عندهم فرجا، فعند ذلك قال له الحبر: لعلك هممت بشيء في حق هذا البيت؟
فقال: نعم، أردت هدمه فقال له تب إلى اللّه مما نويت فإنه بيت اللّه و حرمه، و أمره بتعظيم حرمته ففعل فبرئ من دائه.
و قيل لأنه أول بيت وضع في الأرض، و قيل لأنه أعتق من الغرق بسبب الطوفان في زمن نوح عليه الصلاة و السلام، كذا في الكشاف و غيره. و فيه نظر ظاهر، لما تقدم من دثوره بالطوفان، و لما ذكر في قصة نوح أنه لما بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض، فوقفت بوادي الحرم. فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، و كانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها، إلا أن يقال إن معنى أعتق أنه لم يذهب بالمرة، بل بقي أثره.
و في الخميس عن ابن هشام أن ماء الطوفان لم يصل للكعبة، و لكن قام حولها، و بقيت هي في هواء السماء: أي بناء على الكعبة هي الخيمة التي كانت على زمن آدم عليه الصلاة و السلام. و تقدم عن الكشاف أنها رفعت إلى السماء الرابعة، و أنها البيت المعمور. و هذا كما علمت يدل على أن المراد بالكعبة الخيمة التي كانت لآدم، و قوله قام حولها يريد أنه لم يعل محل تلك الخيمة، و لعله لا ينافيه ما تقدم في قصة نوح فليتأمل.
و في رواية: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام نادى: «يا أيها الناس إن اللّه كتب عليكم الحج» و في لفظ «إن ربكم قد اتخذ بيتا و طلب منكم أن تحجوه فأجيبوا ربكم كرر ذلك ثلاث مرات، فأسمع من في أصلاب الرجال و أرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك، فليس حاج يحج إلى أن تقوم الساعة إلا ممن كان أجاب إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و من لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة و من لبى مرتين حج حجتين و هكذا» و في لفظ «لما نادى إبراهيم عليه الصلاة و السلام فما خلق اللّه من جبل و لا شجر و لا شيء من المطيعين له إلا أجاب: لبيك اللهم لبيك».
أقول: لا يخفى أنه يحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات فيما نادى به إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و سيأتي. و معلوم أن إجابة غير العقلاء إجابة إجلال و تعظيم، و لعل المراد بالكتب مطلق الطلب لا خصوص الوجوب، لأنه لم يفرض الحج على هذه الأمة إلا بعد الهجرة في السنة السادسة، و قيل التاسعة، و قيل العاشرة كما