السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٣ - باب وفاة أمه
هذا شيبة الحمد يعني عبد المطلب و قامت عنده قريش و انفض إليه من كل بطن رجل فسنوا من الماء، و مسوا من الطيب و استلموا و طافوا.
ثم ارتقوا أبا قبيس، فطفق القوم يدنون حوله ما إن يدركه بعضهم مهلة و هي التؤدة و التأني و معه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أيفع أي ارتفع أو كرب أي قرب من ذلك، فقام عبد المطلب فقال اللهم ساد الخلة و كاشف الكربة أنت عالم غير معلم مسئول غير مبخل، و هذه عبيدك و إماؤك بغدرات حرمك أي أفنيته يشكون إليك سنتهم التي أقحلت أي أيبست الظلف و الخف: أي الإبل و البقر فأمطرن، اللهم غيثا سريعا مغدقا فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها و كظ الوادي: أي ضاق بثجيجه أي بسيله فلسمعت شيخان قريش و هي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك يا أبا البطحاء، بك عاش أهل البطحاء انتهى: أي و الظاهر أن القصة واحدة فليتأمل الجمع. و قد يدعى أن الاختلاف من الرواة منهم من عبر بالمعنى.
و في سقيا الناس بعبد المطلب و أن ذلك ببركته (صلى اللّه عليه و سلم) تقول رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى اللّه بلدتنا* * * و قد عدمنا الحيا و اجلوذ المطر
أي امتد زمن تأخره.
فجاد بالماء جونيّ له سبل* * * دان ............
أي أمطرها طل كثير الهطل قريب.
...............* * * ... فعاشت به الأنعام و الشجر
منّا من اللّه بالميمون طائره* * * ..............
أي المبارك حظّه.
............* * * و خير من بشّرت يوما به مضر
مبارك الاسم يستسقى الغمام به* * * ما في الأنام له عدل و لا خطر
أي لا معادل و لا مماثل له.
و لما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس و مضر فاجتمع عظماؤهم و قالوا قد أصبحنا في جهد و جدب و قد سقى اللّه الناس بعبد المطلب، فاقصدوه لعله يسأل اللّه تعالى فيكم فقدموا مكة و دخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام. فقال لهم: أفلحت الوجوه و قام خطيبهم، فقال: قد أصابتنا سنون مجدبات، و قد بان لنا أثرك، و صح عندنا خبرك، فاشفع لنا عند من شفعك و أجري الغمام لك، فقال عبد المطلب:
سمعا و طاعة، موعدكم غدا عرفات، ثم أصبح غاديا إليها و خرج معه الناس و ولده و معه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)