السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٨ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
أباه و وصفوا له مكانه، فجاء أبوه و عمه.
و قد يقال: لا مخالفة، لجواز أن يكون اجتماعه بعمه و أبيه كان بعد إخبار أولئك الناس، فلما جاء أهلك في طلبه ليفدوه خيره النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بين المكث عنده و الرجوع إلى أهله، فاختار المكث عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
فقد ذكر أنهم لما جاءوا للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قالوا: يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه: أي و في لفظ، لما قدم أبوه و عمه في فدائه سألا عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هشام يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم اللّه و جيرانه، تفكون الأسير العاني، و تطعمون الجائع جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا و أحسن في فدائه فإنا سندفع لك، فقال: و ما ذاك؟ قال: زيد بن حارثة، فقال: أو غير ذلك؟ قالوا: و ما هو؟ قال ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم من غير فداء، و إن اختارني فو اللّه ما أنا بالذي أختار على الذي اختارني فداء، فقالوا، زدت على النصف. و في لفظ زدتنا على النصف و أحسنت، فدعاه فقال:
تعرف هؤلاء؟ قال: نعم أبي و عمي، و لعل سكوته عن أخيه لاستصغاره بالنسبة لأبيه و عمه، على أن أكثر الروايات الاقتصار على مجيء أبيه و عمه.
و في كلام السهيلي «أن زيدا لما جاء قال (صلى اللّه عليه و سلم) له من هذان؟ فقال: هذا أبي حارثة بن شرحبيل، و هذا كعب بن شرحبيل عمي. فعند ذلك قال (صلى اللّه عليه و سلم) له: أنا من علمت، و قد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب و العم، فقالا، ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية و على أبيك و عمك و أهل بيتك؟ قال نعم، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا، فلما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منه ما رأى أخرجه إلى الحجر: أي الذي هو محل جلوس قريش، فقال إن زيدا ابني أرثه و يرثني فطابت أنفسهما و انصرفا».
و في كلام ابن عبد البر أنه حين تبناه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان سنه ثمان سنين، و أنه حين تبناه طاف به على حلق قريش يقول: هذا ابني وارثا و موروثا، و يشهدهم على ذلك، و كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول، دمي دمك، و هدمي هدمك، و ثأري ثأرك، و حربي حربك، و سلمي سلمك، ترثني و أرثك، و تطلب بي و أطلب بك، و تعقل عني و أعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف: أي من حالفه، فنسخ ذلك، و هذا الذي ذكره ابن عبد البر من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حين تبناه كان عمره ثمان سنين يدل على أن ذلك كان عقب ملكه (صلى اللّه عليه و سلم) له قبل الوحي، و أن ذلك كان قبل مجيء أبيه و عمه، و حينئذ يكون عتقه و تبنيه بعد مجيء أبيه و عمه إظهارا لما تقدم فليتأمل.
و في أسد الغابة أن حارثة أسلم. و في كلام بعضهم: لم يثبت إسلام حارثة إلا المنذري.