السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٠ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
بني إسرائيل، و البحيرة، و السائبة، و الوصيلة، و الحام التي حرمتها الجاهلية وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: الآية ١٥٧] التي كانت تستحلها الجاهلية من الميتة و الدم و لحم الخنزير وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [الأعراف: الآية ١٥٧] من تحريم العمل يوم السبت، و عدم قبول دية المقتول، و أن يقطعوا ما أصابهم من البول و اللّه أعلم.
و من ذلك ما جاء عن النعمان السبائي رضي اللّه تعالى عنه و كان من أحبار يهود باليمن قال: لما سمعت بذكر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قدمت عليه و سألته عن أشياء، ثم قلت له:
إن أبي كان يختم على سفر و يقول لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبي قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه. قال النعمان: فلما سمعت بك فتحت السفر، فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، و إذا فيه ما تحل و ما تحرم، و إذا فيه أنت خير الأنبياء، و أمتك خير الأمم، و اسمك أحمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و أمتك الحمادون: أي يحمدون اللّه في السراء و الضراء قربانهم دماؤهم: أي يتقربون إلى اللّه سبحانه و تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، و أناجيلهم في صدورهم: أي يحفظون كتابهم، لا يحضرون قتالا إلا و جبريل معهم، يتحنن اللّه عليهم كتحنن الطير على فراخه، ثم قال لي: يعني أباه:
إذا سمعت به فاخرج إليه و آمن به و صدقه، فكان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يحب أن يسمع أصحابه حديثه، فأتاه يوما فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «يا نعمان حدثنا، فابتدأ النعمان الحديث من أوله، فرئي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يبتسم، ثم قال: أشهد أني رسول اللّه».
أقول: و النعمان هذا قتله الأسود العنسي الذي ادعى النبوة، و قطعه عضوا عضوا و هو يقول: إن محمدا رسول اللّه، و إنك كذاب مفتر على اللّه، ثم حرقه بالنار: أي و لم يحترق كما وقع للخليل.
و قيل الذي أحرقه الأسود العنسي بالنار و لم يحترق ذؤيب بن كليب أو ابن وهب، و لما بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك قال لأصحابه، فقال عمر: الحمد للّه الذي جعل في أمتنا مثل إبراهيم الخليل، و هذا السفر يحتمل أن يكون ملخصا من التوراة، و قوله إلا و جبريل معهم يدل على أن جبريل يحضر كل قتال صدر من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم للكفار، بل ظاهره كل قتال صدر حتى من جميع الأمة. و في رواية بعضهم نقلا عن سفر من التوراة: لا يلقون أي أمته، عدوّا إلا و بين أيديهم ملائكة معهم رماح.
و في التوراة في صفة أمته (صلى اللّه عليه و سلم) زيادة على ما سبق: يوضئون أطرافهم، و يأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم.
و قد جاء «ائتزروا كما رأيت الملائكة» أي ليلة الإسراء «تأتزر» أي مؤتزرة عند ربها إلى اتصاف سوقها.
و قد جاء «عليكم بالعمائم و أرخوها خلف ظهوركم فإنها سيما الملائكة»