السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٤ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
و أعقد حبلا من حبالك في حبلى
و الحبل العهد و الميثاق.
و أشهد أن اللّه لا شيء غيره
أدين له (أي أخضع و أضيع)
ما أثقلت قدمي نعلي
و من هذا النوع خبر تميم الداري: أي و يكنى أبا رقية اسم ابنة له لم يولد له غيرها روى عنه (صلى اللّه عليه و سلم) قصة الجساسة مع الدجال على المنبر، فقال: حدثني تميم الداري، و ذكر القصة، قال بعضهم: و هذا أولى ما يخرّجه المحدثون في رواية الكبار عن الصغار.
و قد يكون من ذلك ما ذكر أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه مر يوما على ابنته عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فقال: هل سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دعاء؟ فقالت سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دعاء كان يعلمناه، و ذكر أن عيسى ابن مريم كان يعلمه أصحابه و يقول: لو كان أحدكم جبل دين ذهبا قضاه اللّه عنه، قال نعم يقول: «اللهم فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما أنت ترحمني، فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» و عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه قال: «كان عليّ دين و كنت له كارها فقلته، فلم ألبث إلا يسيرا حتى قضيته».
قال تميم الداري رضي اللّه تعالى عنه: كنت بالشام حين بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فخرجت إلى بعض حاجاتي فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي، فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا أراه، عذ باللّه، فإن الجن لا تجير أحدا على اللّه، فقلت أيم تقوله؟ و أيم بتشديد الياء و بإسكانها و فتح الميم فيهما: أي أيما شيء تقول؟ فقال: «قد خرج رسول الأميين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صلينا خلفه بالحجون: أي و هو مقبرة مكة التي يقال لها المعلاة كما تقدم و أسلمنا و اتبعناه، و ذهب كيد الجن، و رميت بالشهب، فانطلق إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فأسلم، فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبة و أخبرته، فقال: صدقوك نجده يخرج من الحرم أي مكة، و مهاجره الحرم: أي المدينة، و هو خير الأنبياء فلا تسبق إليه، قال تميم: فطلبت الشخوص:
أي الذهاب حتى جئت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأسلمت.
أقول: و هذا يدل ظاهرا على أن تميما الداري أسلم بمكة قبل الهجرة، فهو مما الكلام فيه، بل رأيت في تتمة الخبر: فسرت إلى مكة، فلقيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و كان مستخفيا فآمنت به.
و رأيت بعضهم قال: و هذه الرواية غلط، لأن تميما الداري إنما أسلم سنة تسع من الهجرة، و اللّه أعلم.