السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٨ - باب ذكر رضاعه
قالت حليمة: فانطلقت أنا و أبوه نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يتبسم و يضحك فأكببت عليه و قبلته بين عينيه، و قلت له: فدتك نفسي، و ما الذي دهاك؟ قال خيرا كذا بالنصب يا أماه، بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة، و في يد الآخر طست من زمردة خضراء و الزمردة بالضم و الزاي المعجمة. الزبرجد، و هو معرب، فأخذوني و انطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني على الجبل إضجاعا لطيفا، و فيه أن هذا يخالف قوله (صلى اللّه عليه و سلم) الآتي: «فأخذوني حتى أتوا شفير الوادي، فعمد أحدهم فأضجعني إلى الأرض ثم شق من صدري إلى عانتي» و سيأتي الجمع بينهما و قوله: «ثم شق من صدري إلى عانتي» هو المراد ببطنه ببطنه ففيما تقدم و ما يأتي. قال: «و أنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا و لا ألما» الحديث و في هذه الرواية طيّ ذكر القلب و شقه أيضا.
أقول: و لا منافاة في تلك الرواية بين قولها فوجدناه قائما و بين قولها في هذه الرواية:
فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل، لجواز أن تكون أرادت بقولها قائما كونه حيا و بكونه قاعدا كونه ماكثا، كما لا منافاة بين قولها في تلك الرواية منتقعا وجهه، و بين قولها في هذه الرواية يتبسم و يضحك، لأن ذلك لا ينافي الفزع: أو لجواز أن يكون تبسمه و ضحكه تعجبا لما رأى من الحالة التي عليها أمه من التعب و الشدة و اللّه أعلم.
قال: و ذكر ابن إسحاق أن حليمة لما قدمت به (صلى اللّه عليه و سلم) مكة لترده على أمه أي بعد شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) و قد بلغ أربع سنين أو خمسا أو ستا على ما تقدم أضلته في أعالي مكة فأتت جده عبد المطلب، فقال: إني قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعالي مكة أضلني، فو اللّه ما أدري، أين هو؟ فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو اللّه أن يرده عليه. و في مرآة الزمان أنه أنشد:
يا رب رد لي ولدي محمدا* * * اردده ربي و اصطنع عندي يدا
و سيأتي أن هذا البيت أنشده عبد المطلب حين بعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليرد إبلا له ضلت.
و قد يقال: لا مانع من تكرر ذلك منه فسمع هاتفا من السماء يقول: أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد ربا لن يخذله و لا يضيعه، فقال عبد المطلب، من لنا به، فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى، فركب عبد المطلب نحوه، و تبعه ورقة بن نوفل، و سيأتي بعض ترجمة ورقة، فوجداه (صلى اللّه عليه و سلم) قائما تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها، فقال له جده: من أنت يا غلام؟ فقال أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، فقال و أنا عبد المطلب جدك فدتك نفسي، و احتمله و عانقه و هو يبكي، ثم