السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٤ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
هاج للقلب من جواه ادكار* * * و ليال خلالهن نهار
و جبال شوامخ راسيات* * * و بحار مياههن غزار
و نجوم تلوح في ظلم الليل* * * تراها في كل يوم تدار
و الذي قد ذكرت دل على* * * اللّه نفوسا لها هدى و اعتبار
فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): على رسلك يا جارود، و الرسل بكسر الراء: التؤدة فلست أنساه بسوق عكاظ: أي و هو سوق بين بطن نخلة و الطائف، كان سوقا لثقيف و قيس عيلان كما تقدم، على جمل أورق: أي يضرب لونه إلى السواد، و هو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه و في لفظ «تكلم بكلام له حلاوة لا أحفظه الآن، فقال أبو بكر:
يا رسول اللّه فإني أحفظه كنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ، فقال في خطبته: يا أيها الناس- اسمعوا وعوا، و إذا وعيتم فانتفعوا، من عاش مات، و من مات فات، و كل ما هو آت آت، مطر و نبات، و أرزاق و أقوات، و آباء و أمهات، و أحياء و أموات جمع و أشتات، و آيات بعد آيات، إن في السماء لخبرا، و إن في الأرض لعبرا، ليل داج: أي مظلم، و سماء ذات أبراج، و أرض ذات فجاج، و بحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا، أقسم قس قسما حاتما، لا حنثا فيه و لا آثما إن للّه دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، و نبيا قد حان حينه، و أظلكم زمانه؟ فطوبى لمن آمن به فهداه، و ويل لمن خالفه فعصاه، ثم قال: تبا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، و القرون الماضية. يا معشر إياد: هي قبيلة من اليمن- أين الآباء و الأجداد؟ و أين المريض و العوّاد؟ و أين الفراعنة الشداد؟ أين من بني و شيد. و زخرف و نجد؟ أي من زين و طول، و غره المال و الولد؟ أين من بغى و طغى؟ و جمع فأوعى؟ و قال أنا ربكم الأعلى؟ أ لم يكونوا أكثر منكم أموالا، و أطول منكم آجالا و أبعد منكم آمالا، طحنهم التراب بكلكله: أي بصدره، و مزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، و بيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو اللّه الواحد المعبود ليس بوالد و لا مولود، ثم أنشأ يقول الأبيات المتقدمة.
أي و في رواية: «لما قدم وفد إياد على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يا معشر وفد إياد، ما فعل قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: هلك يا رسول اللّه، قال: لقد شهدته يوما بسوق عكاظ على جمل أحمر، يتكلم بكلام معجب موفق، لا أجدني أحفظه الآن، فقام امرؤ أعرابي من أقاصي القوم، فقال: أنا أحفظه يا رسول اللّه، فسرّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك.
كان يقول: يا معشر الناس اجتمعوا، فكل من مات فات، و كل شيء آت آت، ليل داج، و سماء ذات أبراج، و بحر عجاج، نجوم تزهر، و جبال مرسية، و أنهار مجرية» الحديث.