السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠١ - باب ذكر مولده
الدنيا إلى غيرها، فلما ولد عيسى عليه الصلاة و السلام، منعوا من مجاوزة سماء الدنيا و صاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا حتى ولد نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فمنعوا من التردد إلى السماء إلا قليلا: أي فصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا في بعض الأحايين، و في أكثر الأحايين يسترقون دونها حتى بعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فمنعوا أصلا فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون سماء الدنيا، ثم رأيتني نقلت في «الكوكب المنير في مولد البشير النذير» عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات، و كانوا يدخلونها و يأتون بأخبارها مما سيقع في الأرض فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه الصلاة و السلام حجبوا عن ثلاث سماوات. و عن وهب عن أربع سماوات، و لما ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حجبوا عن الكل، و حرست بالشهب فما يريد أحد منهم استراق السمع إلا رمي بشهاب، و سيأتي عند المبعث إيضاح هذا المحل.
و قد أخبرت الأحبار و الرهبان بليلة ولادته (صلى اللّه عليه و سلم). فعن حسان بن ثابت رضي اللّه عنه قال: إني لغلام يفعة، أي غلام مرتفع ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت و سمعت، إذ بيهودي بيثرب يصيح ذات يوم غداة على أطمة: أي محل مرتفع: يا معشر يهود فاجتمعوا إليه و أنا أسمع و قالوا ويلك، ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة: أي الذي طلوعه علامة على ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك الليلة في بعض الكتب القديمة، و حسان هذا سيأتي أنه ممن عاش في الجاهلية ستين سنة و في الإسلام مثلها، و كذا عاش هذا القدر و هو مائة و عشرون سنة أبوه وجده و والد جده. قال بعضهم: و لا يعرف أربعة تناسلوا و تساوت أعمارهم سواهم. و كان حسان رضي اللّه عنه يضرب بلسانه أرنبة أنفه و كذا ابنه و أبوه وجده.
و عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه: رأيت في التوراة أن اللّه تعالى أخبر موسى عن وقت خروج محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أي من بطن أمه، و موسى عليه الصلاة و السلام أخبر قومه أن الكوكب المعروف عندكم اسمه كذا إذا تحرك و سار عن موضعه فهو وقت خروج محمد (صلى اللّه عليه و سلم): أي و صار ذلك مما يتوارثه العلماء من بني إسرائيل.
و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان يهودي يسكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في مجلس من مجالس قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود؟، فقال القوم: و اللّه ما نعلمه، قال: احفظوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة: أي و هو منكم معاشر قريش، على كتفه أي عند كتفه علامة: أي شامة فيها شعرات متواترات، أي متتابعات كأنهن عرف فرس: أي و تلك العلامة هي خاتم النبوة أي علامتها، و الدليل عليها لا يرضع لليلتين، و ذلك في الكتب القديمة من دلائل نبوته، أي و عدم رضاعه لعله لتوعك يصيبه. و في كلام الحافظ ابن حجر