السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٨ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
ثلاث سنين للّه أتوجه حيث يوجهني ربي، فبلغنا أن رجلا خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي أنيس انطلق إلى هذا الرجل فكلمه و أتني بخبره، فلما جاء أنيس قلت له: ما عندك فقال: و اللّه رأيت رجلا يأمر بخير و ينهي عن الشر، و في رواية: رأيتك على دينه يزعم أن اللّه أرسله و رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، قلت فما يقول الناس فيه؟
قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، و اللّه إنه لصادق و إنهم لكاذبون، فقلت اكفني حتى أذهب فأنظر، قال نعم و كن على حذر من أهل مكة، فحملت جرابا و عصا ثم أقبلت حتى أتيت مكة، فجعلت لا أعرفه و أكره أن أسأل عنه، فمكثت في المسجد ثلاثين ليلة و يوما، و ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، و ما وجدت على بطني سحنة جوع. و السحنة: بالتحريك، قيل حرارة يجدها الإنسان من الجوع، ففي ليلة لم يطف بالبيت أحد و إذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صاحبه جاءا فطافا بالبيت، ثم صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما قضى صلاته أتيته، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، فرأيت الاستبشار في وجهه ثم قال من الرجل؟ قلت من غفار بكسر المعجمة قال: متى كنت؟ قال: كنت من ثلاثين ليلة و يوما هاهنا، قال: فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، و ما أجد على بطني سحنة جوع قال:
«مبارك، إنها طعام طعم و شفاء سقم» أي و جاء «ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتشفى شفاك اللّه، و إن شربته لتشبع أشبعك اللّه، و إن شربته لتقطع ظمأك قطعه اللّه، و هي همزة جبريل، و سقيا اللّه إسماعيل» و جاء «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» و جاء «آية ما بيننا و بين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم».
و ذكر أن أبا ذر أول من قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) السلام عليك التي هي تحية الإسلام، فهو أول من حيا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بتحية الإسلام، و بايع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا يأخذه في اللّه لومة لائم، و على أن يقول الحق و لو كان مرا، و من ثم قال رسول (صلى اللّه عليه و سلم):
«ما أظلت الخضراء» أي السماء «و لا أقلت الغبراء» أي الأرض «أصدق من أبي ذر» و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حقه: «أبو ذر يمشي في الأرض على زهد عيسى ابن مريم» و في الحديث «أبو ذر أزهد أمتي و أصدقها» و قد هاجر أبو ذر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر، و استمر بها إلى أن ولي عثمان، فاستقدمه من الشام لشكوى معاوية منه و أسكنه الربذة، فكان بها حتى مات، فإن أبا ذر صار يغلظ القول لمعاوية و يكلمه بالكلام الخشن.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن لقيا أبي ذر لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان بدلالة عليّ رضي اللّه تعالى عنه، و أنه قال له: ما أقدمك هذه البلدة، فقال له أبو ذر: إن كتمت عليّ أخبرتك» و في رواية «إن أعطيتني عهدا و ميثاقا أن ترشدني