السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٥ - باب بدء الوحي له
يقظة لا مناما، أي بغير نمط «فقال له اقرأ. قال: ما أنا بقارئ» أي لا أوجد القراءة، قال: «فأخذني فغطني» أي ضمني و عصرني. و في لفظ «فأخذ بحلقي حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ» أي لا أحسن القراءة، أي لا أحفظ شيئا أقرؤه «فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ» أي أيّ شيء أقرؤه.
و فيه أنه لو كان كذلك لقال ما أقرأ، أو ما ذا أقرأ. إلا أن يقال أطلق ذلك و أراد لازمه الذي هو الاستفهام، خصوصا و قد قدمه قال: «فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: الآيات ١- ٥]».
أقول: فقولنا: أي بغير نمط هو ظاهر الروايات، و يجوز أن يكون لفظ النمط سقط في هذه الرواية كغيرها من الروايات، و يؤيده اقتصار السيرة الشامية على مجيئه بالنمط. و أيضا كيف الجمع بين قوله هنا ما ذكر و بين قوله هناك: «فكأنما كتب في قلبي كتابا» «و ما بالعهد من قدم». إلا أن يقال يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) جوز أن يكون جبريل يريد منه قراءة غير الذي قرأه و كتب في قلبه. و لا يخفى أنه علم أن قول جبريل اقرأ أمر بالقراءة.
و فيه أنه من التكليف بما لا يطاق، أي في الحال: أي و من ثم ادعى بعضهم أنه لمجرد التنبيه و اليقظة لما يلقى إليه.
و فيه أنه لو كان كذلك لم يحسن أن يقال في جوابه: ما أنا بقارئ الذي معناه لا أوجد القراءة. إلا أن يقال جبريل عليه الصلاة و السلام أراد التنبيه لا الأمر، و جوابه (صلى اللّه عليه و سلم) بناء على مقتضى ظاهر اللفظ.
و علم أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم): ما أنا بقارئ في المواضع الثلاثة معناه مختلف: ففي الأول معناه الإخبار بعدم إيجاد القراءة، و الثاني معناه الإخبار بأنه لا يحسن شيئا يقرؤه و إن كان ذلك هو مستند الأول، و الثالث معناه الاستفهام عن أي شيء أن يقرؤه، و فيه ما علمت.
و بعضهم جعل قوله الأول لا أقرأ: لا أحسن القراءة بدليل أنه جاء في بعض الروايات ما أحسن أن أقرأ. و حينئذ يكون بمعنى الثاني، فيكون تأكيدا له: أي الغرض منهما شيء واحد.
قال بعضهم: وجه المناسبة بين الخلق من العلق و التعليم و تعليم العلم أن أدنى مراتب الإنسان كونه علقة، و أعلاها كونه عالما، فاللّه سبحانه و تعالى امتن على الإنسان بنقله من أدنى المراتب و هي العلقة إلى أعلاها، و هي تعلم العلم.