السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٤ - باب بدء الوحي له
الذي نازله فصدرت عنه تلك العبارة الموهمة للحلول.
و قد اصطلحوا على تسمية هذا المقام الذي هو مقام الفناء بالاتحاد. و لا مشاحة في الاصطلاح لأنه اتحد مراده بمراد محبوبه، فصار المرادان واحدا لفناء إرادة المحب في مراد المحبوب، فقد فني عن هوى نفسه و حظوظها فصار لا يحب إلا اللّه و لا يبغض إلا اللّه، و لا يوالي إلا اللّه، و لا يعادي إلا للّه، و لا يعطي إلا للّه، و لا يمنع إلا للّه، و لا يرجو إلا للّه، و لا يستعين إلا باللّه فيكون اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما.
و في كلام سيدي عليّ رضي اللّه تعالى عنه حيث أطلق القول بالاتحاد في كلام القوم من الصوفية، فمرادهم فناء مرادهم في مراد الحق جل و علا، كما يقول بين فلان و فلان اتحاد إذا عمل كل منهما على وفق مراد الآخر وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النّحل: الآية ٦٠] هذا كلامه رضي اللّه تعالى عنه و رضي عنا به، و هذا مقام غير مقام الوحدة المطلقة الخارجة عن دائرة العقل التي ذكر السعد و السيد أن القول بها باطل و ضلال: أي لأنه يلزم عليها القول بالجمع بين الضدين.
فقد قال بعض العلماء: حضرة الجمع عبارة عن شهود اجتماع الرب، و العبد في حال فناء العبد، فيكون العبد معدوما موجودا في آن واحد، و لا يدرك ذلك إلا من أشهده اللّه الجمع بين الضدين، و من لم يشهد ذلك أنكره. و يجوز أن يكون الجسد للملك متعددا، و عليه فمن الممكن أن يجعل اللّه لروح الملك قوة يقدر بها على التصرف في جسد آخر غير جسدها المعهود مع تصرفها في ذلك الجسد المعهود كما هو شأن الأبدال، لأنهم يرحلون إلى مكان و يقيمون في مكانهم شبحا آخر مشبها لشبحهم الأصلي بدلا عنه.
و قد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن كرامات الأولياء أنواع، وعد منها أن يكون لهم أجساد متعددة، قال: و هذا الذي تسميه الصوفية بعالم المثال، و منه قصة قضيب البان و غيره: أي كواقعة الشيخ عبد القادر الطحطوطي نفعنا اللّه تعالى به.
فقد ذكر الجلال السيوطي (رحمه اللّه تعالى) أنه رفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق أن وليّ اللّه الشيخ عبد القادر الطحطوطي بات عنده ليلة كذا فحلف آخر بالطلاق أنه بات عنده تلك الليلة بعينها، فهل يقع الطلاق على أحدهما! قال:
فأرسلت قاصدي إلى الشيخ عبد القادر فسأله عن ذلك، فقال: و لو قال أربعة إني بت عندهم لصدقوا فأتيت أنه لا حنث على واحد منهما لأن تعدد الصور بالتخيل و التشكل ممكن كما يقع ذلك للجان.
و قد قيل في الأبدال: إنهم إنما سموا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان و يقيمون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، و يقال عالم