السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٦ - باب ذكر مولده
فأمر بإحضار قضيب فأخذه الملك و أمرّ به على صدري فكأني لم آكل شيئا قط، ثم أكلت أكلا كثيرا حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت لا و اللّه لا أقدر أيها الملك، فأمرّ بالقضيب على صدري فكأني لم آكل شيئا قط، فأكلت حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت و اللّه ما أقدر على ذلك، فأراد أن يمر بالقضيب على صدري، فقلت أيها الملك إن الذي دخل يحتاج إلى أن يخرج، فقال: صدقت، و أمسك عني، فسألته عن القضيب، فقال: تحفة من تحف الملوك.
و مما يحفظ عن يحيى بن خالد هذا زيادة على ما تقدم عنه: إذا أحببت إنسانا من غير سبب فارج خيره، و إذا أبغضت إنسانا من غير سبب فتوق شره.
و مما يحفظ عنه أيضا و قد قال له ولده و أظنه الفضل، و قد كان معه مقيدا في حبس الرشيد بعد قتله لولده جعفر و صلبه و نهبه أموال البرامكة و من يلوذ بهم: يا أبت بعد العز و نفوذ الكلمة صرنا إلى هذه الحالة، فقال: يا ولدي دعوة مظلوم سرت ليلا غفلنا عنها و ما غفل اللّه عنها: أي فقد قال أبو الدرداء: إياكم و دمعة اليتيم و دعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل و الناس نيام.
أي و لأن اللّه تعالى يقول: «أنا أظلم الظالمين إن غفلت عن ظلم الظالم» و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم): «اتق دعوة المظلوم فإنما يسأل اللّه حقه، و إن اللّه تعالى لن يمنع ذا حق حقه» و جاء «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها و بين اللّه حجاب» و جاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول اللّه: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين» و المراد بالغمام: الغمام الأبيض الذي فوق السماء السابعة، المعنيّ بقوله تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: الآية ٢٥] أي لا تقوى على حمله إذا سقط.
و نصر دعوة المظلوم: استجابتها و لو بعد زمن طويل، فهو سبحانه و تعالى و إن أمهل الظالم لا يهمله، و جاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة» أي تصعد إلى السماء السابعة فما فوقها و جاء «اتقوا دعوة المظلوم و إن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب».
و قد قال القائل:
تنام عيناك و المظلوم منتبه* * * يدعو عليك و عين اللّه لم تنم
و مما قيل في يحيى بن خالد هذا من المدح البليغ:
سألت الندى هل أنت حر فقال لا* * * و لكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء؟ قال لا بل وراثة* * * توارثني من والد بعد والد
و مما يحفظ عن والده خالد: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمولود. و مما يحفظ عن جعفر ولد يحيى قوله: شر المال ما لزمك الإثم في كسبه، و حرمت الأجر في