السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٢ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
عرشه على الماء أي العذب، فلما اضطرب العرش كتب عليه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسكن، فلما أراد أن يخلق السموات و الأرض أرسل الريح على ذلك الماء فتموج فعلاه دخان، فخلق من ذلك الدخان السموات، ثم أزال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس» و في لفظ «أرسل على الماء ريحا هفافة فصفق الريح الماء» أي ضرب بعضه بعضا «فأبرز عنه خشفة» الحديث، و بسط اللّه سبحانه و تعالى من ذلك الموضع جميع الأرض طولها و العرض، فهي أصل الأرض و سرتها. و قد يخالفه ما في «أنس الجليل» كذا روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال:
وسط الدنيا بيت المقدس و أرفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما و معاذ بن جبل أنه أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا ثم بين ذلك في أنس الجليل.
و لما ماجت الأرض وضع عليها الجبال، فكان أول جبل وضع عليها أبو قبيس، و حينئذ كان ينبغي أن يسمى أبا الجبال، و أن يكون أفضلها مع أن أفضلها كما قال الجلال السيوطي استنباطا: أحد، لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «أحد يحبنا و نحبه» و لما ورد أنه على باب من أبواب الجنة، قال: و لأنه من جملة أرض المدينة التي هي أفضل البقاع: أي عنده تبعا لجمع، و لأنه مذكور في القرآن باسمه في قراءة من قرأ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [آل عمران: الآية ١٥٣] أي بضم الهمزة و الحاء، ثم فتق الأرض فجعلها سبع أرضين. و قد جاء «بدأ اللّه خلق الأرض في يومين غير مدحوّة ثم خلق السموات فسواهن في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، و جعل فيها الرواسي و غيرها في يومين».
و بهذا يظهر التوقف في قول مغلطاي: إن لفظة بعد في قوله تعالى: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] بمعنى قبل، لأن خلق الأرض قبل خلق السماء، لما علمت أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة، ثم بعد خلق السماء دحى الأرض.
ثم رأيت بعضهم سأل ابن عباس عن ذلك، حيث قال له: يا إمام اختلف عليّ من القرآن آيات، ثم ذكر منها أنه قال: قال اللّه تعالى: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت: الآية ٩]. حتى بلغ- طائِعِينَ [فصّلت: الآية ١١] ثم قال في الآية الأخرى: أَمِ السَّماءُ بَناها [النّازعات: الآية ٢٧] ثم قال: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] فأجابه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما. أما قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت: الآية ٩] فإن الأرض خلقت قبل السماء، و كانت السماء دخانا فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض. و أما قوله تعالى: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] يقول: جعل فيها جبلا، و جعل فيها نهرا، و جعل فيها شجرا، و جعل