السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٥ - باب بدء الوحي له
المثال كما تقدم، فهو عالم متوسط بين عالم الأجساد و عالم الأرواح، فهو ألطف من عالم الأجساد، و أكثف من عالم الأرواح، فالأرواح تتجسد و تظهر في صور مختلفة من عالم المثال. قال: و هذا الجواب أولى مما تكلفه بعضهم في الجواب عن جبريل، بأنه كان يندمج بعضه في بعض أي الذي أجاب به الحافظ ابن حجر.
و مما يدل على وجود المثال رؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) للجنة و النار في عرض الحائط و قول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف:
الآية ٢٤] بأنه مثل له يعقوب بمصر و هو بالشام.
و من ذلك ما اشتهر أن الكعبة شوهدت تطوف ببعض الأولياء في غير مكانها.
و ممن وقع له ذلك أبو يزيد البسطامي و الشيخ عبد القادر الجيلي و الشيخ إبراهيم المتبولي نفعنا اللّه تعالى ببركاتهم، و لعل مجيء جبريل على صورة دحية كان في المدينة بعد إسلام دحية و إسلامه كان بعد بدر، فإنه لم يشهدها و شهد المشاهد بعدها، إذ يبعد مجيئه على صورة دحية قبل إسلامه.
قال الشيخ الأكبر رضي اللّه تعالى عنه: دحية الكلبي كان أجمل أهل زمانه و أحسنهم صورة، فكان الغرض من نزول جبريل على سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) في صورته إعلاما من اللّه تعالى أنه ما بيني و بينك يا محمد سفير إلا صورة الحسن و الجمال، و هي التي لك عندي، فيكون ذلك بشرى له و لا سيما إذا أتى بأمر الوعيد و الزجر، فتكون تلك الصورة الجميلة تسكن منه ما يحركه ذلك الوعيد و الزجر هذا كلامه، و هو واضح لو كان لا يأتيه إلا على تلك الصورة الجميلة، إلا أن يدعي أن من حين أتاه على صورة دحية لم يأته على صورة آدمي غيره، و تكون واقعة سيدنا عمر سابقة على ذلك، لكن تقدم أنه كان إذا أتاه على صورة الآدمي يأتيه بالوعد و البشارة: أي بالوعيد و الزجر فليتأمل.
و في البرهان للزركشي في التنزيل أي تلقي القرآن طريقان:
أحدهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية و أخذه من جبريل: أي لأن الأنبياء يحصل لهم الانسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة الإلهية من غير اكتساب فيما هو أقرب من لمح البصر.
و الثاني أن الملك انخلع من الملكية إلى البشرية حتى أخذه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منه هذا كلامه. و الراجح أن المنزّل اللفظ، و المعنى تلقفه جبريل من اللّه تعالى تلقفا روحانيا، أو أن اللّه تعالى خلق تلك الألفاظ أي الأصوات الدالة عليها في الجو و أسمعها جبريل، و خلق فيه علما ضروريا أنها دالة على ذلك المعنى القديم القائم بذاته تعالى، و أوحاه إليه (صلى اللّه عليه و سلم) كذلك، أو حفظه جبريل من اللوح المحفوظ و نزل به.