السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٩ - باب عرض قريش عليه
النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «ويل لأمتي مما في صلب هذا» قال بعضهم: و كون النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مع ما هو عليه من الحلم و الإغضاء على ما يكره فعل بالحكم ذلك، يدل على أمر عظيم ظهر له في الحكم و أولاده.
و عن حمران بن جابر الجعفي، قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ويل لبني أمية ثلاث مرات» أي و قد ولي منهم الخلافة أربعة عشر رجلا، أوّلهم معاوية بن أبي سفيان، و آخرهم مروان بن محمد، و كانت مدة ولايتهم ثنتين و ثمانين سنة، و هي ألف شهر. و قال بعضهم: لا يزيد ذلك يوما و لا ينقص يوما. قال ابن كثير: و هذا غريب جدا، و فيه نظر، لأن معاوية حين تسلم الخلافة من الحسن كان ذلك سنة أربعين أو إحدى و أربعين، و استمر الأمر في بني أمية إلى أن انتقل إلى بني العباس سنة ثنتين و ثلاثين و مائة، و مجموع ذلك ثنتان و تسعون سنة، و ألف شهر تعدل ثلاثا و ثمانين سنة و أربعة أشهر هذا كلامه.
و من استهزاء العاص بن وائل أنه كان يقول: غرّ محمد نفسه و أصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، و اللّه ما يهلكنا إلا الدهر و مرور الأيام و الأحداث.
أي و من استهزائه. أن خباب بن الأرت رضي اللّه تعالى عنه كان قينا بمكة:
أي حدادا يعمل السيوف، و قد كان باع للعاص سيوفا فجاءه يتقاضى ثمنها، فقال له:
يا خباب أ ليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم أو ولد؟ قال خباب بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، و و اللّه لا تكونن أنت و صاحبك آثر عند اللّه مني و لا أعظم حظا في ذلك.
و في لفظ أن العاص قال له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: و اللّه لا أكفر بمحمد حتى يميتك اللّه ثم يبعثك، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتي مالا و ولدا فأقضيك، فأنزل اللّه تعالى فيه أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً (٨٠) [مريم: الآيات ٧٧- ٨٠]!.
و في كلام ابن حجر الهيتمي، و في البخاري من عدة طرق: أن خبابا رضي اللّه تعالى عنه طلب من العاص بن وائل السهمي دينا له عليه، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا أكفر به حتى يميتك اللّه ثم يبعثك.
و فيه أن هذا تعليق للكفر بممكن: أي و تعليق الكفر و لو بمحال عادي، و كذا شرعي أو عقلي على احتمال كفر، لأنه ينافي عقد التصميم الذي هو شرط في الإسلام.