السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٦ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
يهدمها فلا يزال يهدم و يا بني، فيتهاون الناس بحرمتها و لكن ارفعها: أي رمها فقال عبد اللّه: إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماها الناس و خشوا أن ينزل بأول الناس يقصدها أمر من السماء، حتى صعدها رجل فألقى منها حجارة فلم ير الناس أصابه شيء فتابعوه ا ه.
أي و قيل أول فاعل لذلك عبد اللّه بن الزبير نفسه رضي اللّه تعالى عنه و خرج ناس كثير من مكة إلى منى و منهم ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن يصيبهم عذاب شديد بسبب هدمها، و أمر ابن الزبير جماعة من الحبشة بهدمها رجاء أن يكون فيهم الذي أخبر به (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يهدمها.
و فيه أن الذي أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بأنه يهدمها ذكر صفته حيث قال: «كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرا حجرا» و جاء في وصفه أنه مع كونه أفحج الساقين أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، و وصف أيضا «بأنه أصلع» و في لفظ «أجلح» و هو من ذهب شعر مقدم رأسه، و وصف «بأنه أصعل» أي صغير الرأس، «و بأنه أصمع» أي صغير الأذنين «معه أصحابه يتقضونها حجرا حجرا، و يتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر».
أي و قوله «و يتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» لعله لم يثبت عند ابن الزبير و كذا تلك الأوصاف، و هدم الحبشة لها يكون بعد موت عيسى عليه الصلاة و السلام، و رفع القرآن من الصدور و المصاحف: أي و ورد أن أول ما يرفع رؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) في المنام و القرآن. و أول نعمة ترفع من الأرض العسل، و قيل يكون هدمها في زمن عيسى عليه الصلاة و السلام.
و جمع بأنه يهدم بعضها في زمن عيسى عليه الصلاة و السلام، فإذا جاءهم الصريخ هربوا فإذا مات عيسى عادوا و كملوا هدمها.
فهدمها عبد اللّه إلى أن انتهى الهدم إلى القواعد: أي التي هي الأساس. قال و في رواية: كشف له عن أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع و شيئا، و أحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء، آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبك الأصابع، و أصاب فيه قبر أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و هذا ربما يدل على أنه لم يصب فيه قبر إسماعيل، و هو يؤيد القول بأن قبره في حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لا في الحجر كما ذكره الطبري، و أنه تحت البلاطة الخضراء التي بالحجر كما تقدم، فدعا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم، و أشهدهم على ذلك الأساس، و أدخل عبد اللّه بن المطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها، فارتج جوانب البيت، و رجفت مكة بأسرها رجفة