السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٣ - باب ذكر مولده
ثم يمضي لحاجته» و قد جاء «لا عدوى و لا طيرة و لا هام» و في لفظ «و لا هامة» بالتخفيف زاد في رواية «و لا صفر» و الهامة هو أنه كان أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قتل القتيل و لم يؤخذ بثأره يخرج له طائر يقول عند قبره اسقوني من دم قاتلي، اسقوني من دم قاتلي، و لا يزال يقول ذلك حتى يؤخذ بثأر القتيل، كانت العرب تسميه الهامة بالتخفيف. و أما الهامة بالتشديد فواحدة الهوام، و هي الحيات و العقارب و ما شاكلها، و من ثم كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول في تعويذه للحسن و الحسين «أعيذ بكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان و هامة، و من كل عين لامة ثم يقول: هكذا إبراهيم عليه الصلاة و السلام كان يعوذ إسماعيل و إسحاق»، و قوله «و لا صفر» ذكر الإمام النووي أن المراد به حية صفراء تكون في جوف الإنسان إذا جاع تؤذيه، كذا كانت العرب تزعم ذلك قال: و هذا التفسير هو الصحيح الذي عليه عامة العلماء، و قد ذكره مسلم عن جابر راوي الحديث، فتعين اعتماده.
و روى ابن سعد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى» و في رواية «أنها قالت لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق و المغرب، فأضاءت له قصور الشام و أسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى».
و في الخصائص الصغرى «و رأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام» و كذلك أمهات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يرين ا ه، و لعل المراد يرين مطلق النور لا الذي تضيء منه قصور الشام. و قوله «قصور الشام» الخ ظاهر في أن المراد جميع الإقليم لا خصوص بصرى، و لعل الاقتصار على بصرى في الروايات لكون النور كان بها أتمّ، و من ثم قالت «حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى» أو رأت مرة وصول النور إلى بصرى خاصة و مرة جاوزها تأمل، و إلى هذا النور يشير عمه العباس رضي اللّه تعالى عنه بقوله في قصيدته التي امتدح بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند رجوعه (صلى اللّه عليه و سلم) من غزوة تبوك، و قد قال له في مرجعه من تلك الغزوة «يا رسول اللّه إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول اللّه: قل، لا يفضض اللّه فاك، فقال قصيدة منها:
و أنت لما ولدت أشرقت الأر* * * ض و ضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء و في الن* * * ور سبل الرشاد نخترق»
و إلى ذلك يشير صاحب الهمزية (رحمه اللّه) بقوله:
و تراءت قصور قيصر بالرو* * * م يراها من داره البطحاء
أي رؤيت قصوره ملك الروم في بلاد الروم يبصرها الذي داره بمكة قال:
و هذا ظاهر في أنها رأت ذلك النور يقظة، و تقدم في حديث شداد أنها رأته مناما،