السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣١ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
ينتظر الفرج، و إن معي لواء الحمد، أنا أمشي و يمشي الناس معي حتى آتي باب الجنة» الحديث.
أقول: قد سئلت عما حكاه الجلال السيوطي أنه ورد إلى مصر نصراني من الفرنج و قال لي: شبهة إن أزلتموها أسلمت، فعقد له مجلس بدار الحديث الكاملية، و رأس العلماء إذ ذاك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال له النصراني و الناس يسمعون: أي أفضل عندكم المتفق عليه، أو المختلف فيه؟ فقال له الشيخ عز الدين:
المتفق عليه، فقال له النصراني: قد اتفقنا نحن و أنتم على نبوة عيسى و اختلفنا في نبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فيلزم أن يكون عيسى أفضل من محمد، فأطرق الشيخ عز الدين ساكتا من أول النهار إلى الظهر حتى ارتج المجلس و اضطرب أهله، ثم رفع الشيخ رأسه و قال عيسى قال لبني إسرائيل وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصّف: الآية ٦] فيلزمك أن تتبعه فيما قال، و تؤمن بأحمد الذي بشر به فأقام الحجة على النصراني و أسلم بأنه كيف أقام الحجة على كون محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من عيسى إذ غاية ما ذكر أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فأجبت بأنه حيث ثبت أن محمدا رسول اللّه وجب الإيمان به و بما جاء به و مما جاء به، و أخبر به أنه أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة و السلام.
و قد سئل أبو الحسن الحمال بالحاء المهملة من فقهائنا معاشر الشافعية: محمد و موسى أيهما أفضل؟ فقال محمد، فقيل له: ما الدليل على ذلك؟ فقال: إنه تعالى أدخل بينه و بين موسى لام الملك فقال تعالى: وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) [طه: الآية ٤١] و قال لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم): إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: الآية ١٠] ففرق بين من أقام بوصفه و بين من أقامه مقام نفسه و اللّه أعلم.
و في رواية «إذا كان يوم القيامة كان لي لواء الحمد و كنت إمام المرسلين و صاحب شفاعتهم» و في لفظ «ألا و أنا حبيب اللّه و لا فخر، و أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة و لا فخر، و أنا أكرم الأولين و الآخرين على اللّه و لا فخر، و أنا أول شافع، و أنا أول مشفع يوم القيامة و لا فخر، و أنا أول من يحرك حلق الجنة: أي حلق بابها، فيفتح اللّه لي فأدخلها و معي فقراء المؤمنين و لا فخر» أي و في رواية «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، أي بتحريك حلقة الباب أو قرعه بها لا بصوت، فيقول الخازن أي و هو رضوان: من أنت؟ فأقول محمد» و في رواية «أنا محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح» و في رواية «أن لا أفتح لأحد قبلك» زاد في رواية «و لا أقوم لأحد بعدك لأفتح له» فمن خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) أن رضوان لا يفتح إلا له، و لا يفتح لغيره من الأنبياء و غيرهم، و إنما يتولى ذلك غيره من الخزنة، و هي خصوصية عظيمة نبه عليها القطب الخضري، و كون الفاتح له (صلى اللّه عليه و سلم) الخازن لا ينافي ما قبله من كون الفاتح له الحق سبحانه و تعالى لما علم أن الخازن إنما فتح بأمر اللّه فهو الفاتح الحقيقي.