السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٧ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
«كان طوله ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا» و من ثم قال الحافظ ابن حجر: إنما روي أن آدم لما أهبط كانت رجلاه في الأرض، و رأسه في السماء فحطه اللّه تعالى إلى ستين ذراعا: أي الذي تقدم ظاهر الخبر الصحيح يخالفه، و هو أنه خلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعا و هو الصحيح. و كان آدم أمرد. و في الصحيحين «فكل من يدخل الجنة يكون على صورة آدم» و قد جاء في صفة أهل الجنة «جرد مرد على صورة آدم».
و في بعض الأخبار أن آدم لما كثر بكاؤه على فراق الجنة نبتت لحيته، و لم يصح و لم تنبت اللحية إلا لولده، و كان مهبطه بأرض الهند بجبل عال يراه البحريون من مسافة أيام، و فيه أثر قدم آدم مغموسة في الحجر، و يرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب، و لا بد له في كل يوم من مطر يغسل قدمي آدم، و ذروة هذا الجبل أقرب ذرا جبال الأرض إلى السماء، و لعل هذا وجه النظر الذي أبداه بعض الحفاظ في قول بعضهم: إن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. قال بعض الحفاظ: و فيه نظر.
قيل: و نزل معه من ورق الجنة فبثه هناك فمنه كان أصل الطيب بالهند.
و عن عطاء بن أبي رباح: إن آدم هبط بأرض الهند و معه أربعة أعواد من الجنة، فهي هذه التي يتطيب الناس بها. و جاء أنه نزل بنخلة العجوة.
ثم لما أمر آدم بالخروج لتلك الخيمة خرج إليها و مدّ له في خطوه، قيل كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام. فقد قيل لمجاهد: هل كان آدم يركب؟ قال: و أي شيء كان يحمله، فو اللّه إن خطوته لمسيرة ثلاثة أيام.
و فيه أن هذا يقتضي أن آدم لم يكن يركب البراق، فقول بعضهم: إن الأنبياء كانت تركبه مراده مجموعهم لا جميعهم، و قيض اللّه تعالى له ما كان في الأرض من مخاض أو بحر، فلم يكن يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا، و صار بين كل خطوة مفازة حتى انتهى إلى مكة، فإذا خيمة في موضع الكعبة: أي الموضع الذي به الكعبة الآن، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة مجوفة: أي و لها أربعة أركان بيض، و فيها ثلاثة قناديل من ذهب، فيها نور يلتهب من نور الجنة، طولها ما بين السماء و الأرض، كذا في بعض الروايات، و لعل وصف الخيمة بما ذكر لا ينافي ما تقدم أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور، و وصف بأنه ياقوتة حمراء، لأن سقفه كان ياقوتة حمراء، لأن التعدد بعيد فليتأمل، و نزل مع تلك الخيمة الركن و هو الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من أرض الجنة، و كان كرسيا لآدم يجلس عليه: أي و لعل المراد يجلس عليه في الجنة.