السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٨ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل* * * و إن كان فيما جاء شيب الذوائب
و كن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة* * * سواك بمغن عن سواد بن قارب
و في رواية:
و كن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة* * * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
قال: ففرح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رئي الفرح في وجوههم: أي و ضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه و قال: أفلحت يا سواد، فرأيت عمر رضي اللّه تعالى عنه التزمه و قال: لقد كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك رئيك اليوم؟ قال: منذ قرأت القرآن فلا، و نعم العوض كتاب اللّه تعالى من الجن: أي و هذا السياق يدل على أن سيدنا عمر لم يكن حاضرا عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما أخبره سواد.
و لما مات (صلى اللّه عليه و سلم) و خشي سواد على قومه الردة قام فيهم خطيبا فقال: يا معشر دوس، من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم، و من شقائهم أن لا يتعظوا إلا بأنفسهم.
و إنه من لم تنفعه التجارب ضربه، و من لم يسعه الحق لم يسعه الباطل، و إنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس. و لا ينبغي لأهل البلاء إلا أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية، و لست أدري لعله يكون للناس جولة، فإن لم تكن فالسلامة منها الأناة، و اللّه يحبها فأحبوها، فأجابه القوم بالسمع و الطاعة.
أي و من ذلك أن امرأة كانت كاهنة بالمدينة يقال لها حطيمة، كان لها تابع من الجن فجاءها يوما فوقف على جدارها، فقالت له: ما لك لا تدخل تحدثنا و نحدثك؟
فقال: إنه قد بعث نبي بمكة يحرم الزنا، فحدثت بذلك، فكان أول خبر تحدث به بالمدينة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و أما ما سمع من جوف الأصنام فكثير أيضا.
فمنها أي غير ما تقدم في ليلة ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) خبر عباس بن مرداس قال: كان لمرداس السلمي وثن يعبده يقال له ضمار بكسر الضاد المعجمة و ميم مخففة بعدها ألف ثم راء مهملة، فلما حضرت مرداسا الوفاة قال للعباس ولده أي بني اعبد ضمارا فإنه ينفعك و يضرك، فبينا عباس يوما عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول:
من للقبائل من سليم كلها* * * أودى ضمار و عاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة و الهدى* * * بعد ابن مريم من قريش مهتد
أودى ضمار و كان يعبد مدة* * * قبل الكتاب إلى النبي محمد