السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٧ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
الجمال للفضل، و السخاء لعبيد اللّه، و الفقه لعبد اللّه.
قال: و لما حج عبد الملك: أي و ذلك في سنة خمس و سبعين قال له الحارث: أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها قال: أنت سمعته منها؟ قال نعم، فجعل ينكت، بالمثناة فوق، بقضيب كان في يده الأرض ساعة، ثم قال: وددت أني كنت تركته يعني ابن الزبير و ما تحمل.
و في رواية أن عبد الملك كتب إلى الحجاج وددت أنك تركت ابن الزبير و ما تحمل و هذا هو الموافق لما في تاريخ الأزرقي أن الحرث وفد على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب يعني ابن الزبير سمع من عائشة رضي اللّه تعالى عنها ما كان يزعم أنه سمع منها في بناء الكعبة. قال الحرث:
أنا سمعته منها، قال عبد الملك: أنت سمعته منها؟ الحديث و كون عائشة حدثت ابن الزبير بما ذكر لا ينافي ما في تاريخ ابن كثير عن بعضهم.
قال سمعت ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما يقول: حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعائشة: «لو لا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام» الحديث، و في رواية «أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها نذرت إن فتح اللّه مكة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تصلي في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة، أي و حج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حجة الوداع فسألت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يفتح لها باب الكعبة ليلا، فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه إنها لم تفتح ليلا قط، قال فلا تفتحها ثم أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيدها و أدخلها الحجر و قال: صلي هاهنا، فإن الحطيم» أي الحجر «من البيت إلا أن قومك قصرت بهم النفقة» أي الحلال «فأخرجوه من البيت، و لو لا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، و أظهرت قواعد الخليل، و أدخلت الحطيم في البيت و ألصقت العتبة على الأرض، و لئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» و لم يعش عليه الصلاة و السلام و لم تتفرغ الخلفاء لذلك.
و بما ذكر يعلم ما في قول الأصل فهدمها: أي عبد الملك و بناها على ما كانت عليه في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و قد علمت أن الحجاج لم يبن إلا الحجاب الذي يليه الحجر، و البناء الذي تحت العتبة و الدرجة التي في باطنها.
و أما التراب الذي جعل في باطنها، فيحتمل أن يكون هو التراب الذي أخرجه عبد اللّه بن الزبير استمر باقيا فأعاده الحجاج، و يحتمل أنه غيره، و لم أقف على بيان ذلك في كلام أحد.