السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٤ - باب استخفائه
أَجْراً [الأنعام: الآية ٩٠] فتعين حمل الآية على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، فيلزم من ذلك أن يكون أبو بكر بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بقية الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أفضل الخلق، لأن اللّه تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: الآية ١٣] و الأكرم هو الأفضل، و بين ذلك الفخر الرازي بأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إما أبو بكر و إما علي، فلا يمكن حمل الآية على عليّ لما تقدم، فتعين حملها على أبي بكر.
و ذكر بعض أهل المعاني: أي المبينين لمعاني القرآن كالزجاج و الفراء و الأخفش أن المراد بالأشقى و الأتقى الشقي و التقي، فأوقع أفعل التفضيل موضع فعيل، فهو عام في أمية بن خلف و أبي بكر و غيرهما و إن كان السبب خاصا، و الذي بخل و استغنى المراد به أبو سفيان، لأنه كان عاتب أبا بكر في إنعامه و إعتاقه و قال له أضعت مالك و اللّه لا تصيبه أبدا، و قيل المراد به أمية بن خلف.
و لما بلغ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن أبا بكر اشترى بلالا قال له الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته يا رسول اللّه: أي لأن بلالا قال لأبي بكر حين اشتراه: إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني، و إن كنت إنما اشتريتني للّه عز و جل فدعني للّه فأعتقه.
هذا، و ذكر «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لقي أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه، فقال لو كان عندنا مال اشتريت بلالا، فانطلق العباس رضي اللّه تعالى عنه فاشتراه فبعث به إلى أبي بكر: أي ملكه له فأعتقه» فليتأمل الجمع بين هذا و ما تقدم.
و قد اشترى أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه جماعة آخرين ممن كان يعذب في اللّه، منهم حمامة أم بلال. و منهم عامر بن فهيرة، فإنه كان يعذب في اللّه تعالى حتى لا يدري ما يقول، و كان لرجل من بني تيم من ذوي قرابة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. و منهم أبو فكيهة كان عبدا لصفوان بن أمية، أسلم حين أسلم بلال، فمر به أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه و قد أخذه أمية أبو صفوان و أخرجه نصف النهار في شدة الحر مقيدا إلى الرمضاء، فوضع على بطنه صخرة، فخرج لسانه و أخو أمية يقول له زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره فاشتراه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه.
و منهم امرأة و هي زنيرة بزاي فنون مشددة مكسورتين فمثناة تحتية ساكنة، و هي في اللغة الحصاة الصغيرة، عذبت في اللّه تعالى حتى عميت، قال لها يوما أبو جهل: إن اللات و العزى فعلا بك ما ترين، فقالت له: كلا و اللّه لا تملك اللات و العزى نفعا و لا ضرا، هذا أمر من السماء و ربي قادر على أن يرد عليّ بصري، فأصبحت تلك الليلة و قد رد اللّه تعالى عليها بصرها، فقالت قريش: إن هذا من سحر محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فاشتراها أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه و أعتقها، أي و كذا ابنتها.
و في السيرة الشامية أم عنيس بالنون أو الباء الموحدة فمثناة تحتية فسين مهملة،