السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٢ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
أي و في البخاري أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن الملائكة تتحدث في العنان- أي الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن، فيزيدونها مائة كذبة».
و عن أبيّ بن كعب رضي اللّه تعالى عنه «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه الصلاة و السلام حتى تنبأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رمى بها، فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد يا ليل» الحديث.
أقول: و هذا يفيد أنه لم يرم بها قبل مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم): أي قبل قربه الشامل لزمن الولادة، فلا يخالف ما تقدم، و أن النجوم كان يرمى بها قبل أن يرفع عيسى عليه الصلاة و السلام و ذلك صادق بزمن آدم فمن بعده من الرسل، و هو الموافق لقول الزهري: الحجب و تساقط النجوم كان موجودا قبل البعث في سالف الأزمان: أي في زمن الرسل لا في زمن الفترات بين الرسل، لقول الكشاف: و قول بعضهم: ظاهر الأخبار يدل على أن الرجم للشياطين بالشهب كان في زمن غيره (صلى اللّه عليه و سلم) من الرسل و هو كذلك، و عليه أكثر المفسرين- حراسة لما ينزل من الوحي على الرسل. و أما في الزمن الذي ليس فيه رسول: أي و هو زمن الفترات بين الرسل، فكانوا يسترقون السمع في مقاعد لهم، و يلقون ما يسمعون للكهان: أي لأن اللّه تعالى ذكر فائدتين في خلق النجوم، فقال تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: الآية ٥] و قال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) [الصافات: ٦ و ٧] و كونها إنما جعلت رجوما و حفظا ليس إلا عند قرب مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم)، خاصة دون بقية الرسل من أبعد البعيد.
و حيث كان الغرض من الرمي بالنجوم منع الشياطين من استراق السمع اقتضى ذلك أنه لم يرم بها قبل مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم)، و منه زمن ولادته.
و يوافق ذلك قول ابن إسحاق: لما تقارب أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حضر مبعثه حجبت الشياطين، و قول ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: «لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منعت الشياطين من خبر السماء، رموا بالشهب فذكروا ذلك لإبليس، فقال: بعث أي لعله بعث نبي، عليكم بالأرض المقدسة أي لأنها محل الأنبياء، و هذا يدل على أن عند إبليس أن الرمي بالنجوم علامة على بعث الأنبياء، فذهبوا ثم رجعوا، فقالوا ليس بها أحد، فخرج إبليس يطلبه بمكة: أي لأنها مظنة ذلك بعد محل الأنبياء، فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بحراء منحدرا معه جبريل، فرجع إلى أصحابه، فقال: بعث أحمد و معه جبريل». و في رواية «إن إبليس قال لما أخبروه بأنهم منعوا من خبر السماء: إن هذا الحدث حدث في الأرض، فائتوني من تربة كل أرض فأتوه بذلك، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا الحدث، فمضوا