السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٢ - باب وفاة أمه
و عن رقيقة بنت أبي صيفي: أي ابن هاشم بن عبد مناف زوجة عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات أقول: و قال أبو نعيم: لا أراها أدركت الإسلام. و قال ابن حبان: يقال إن لها صحبة و اللّه أعلم. قالت تتابعت على قريش سنون: أي أزمنة قحط و جدب ذهبت بالأموال، و أشفين: أي أشرفن على الأنفس، قالت فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان أي وقت خروجه و به يأتيكم الحيا أي بالقصر المطر العام و الخصب، فانظروا رجلا من أوساطكم: أي أشرافكم نسبا طولا عظاما أي طويلا عظيما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان، أسيل الخدين: أي لا نتوّ بهما رقيق العرنين أي الأنف. و قيل أوله فليخرج هو و جميع ولده و ليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا و يتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي و تؤمنون، فإنكم تسقون، فأصبحت و قصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب فاجتمعوا عليه، و أخرجوا من كل بطن رجلا ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس و معهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو غلام، فتقدم عبد المطلب فقال: لا هم هؤلاء عبيدك و بنو عبيدك و إماؤك و بنو إمائك، و قد نزل بنا ما ترى، و تتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف و الخف و الحافر:
أي الإبل و البقر و الخيل و البغال و الحمير، فأشفت على الأنفس: أي أشرفت على ذهابها فأذهب عنا الجدب، و ائتنا بالحيا و الخصب فما برحوا حتى سالت الأودية.
قال: و في رواية أخرى عن رقيقة قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت، أي أيبست الجلد، و أدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهمومة أي بين اليقظانة و النائمة إذ هاتف هو الذي يسمع صوته و لا يرى شخصه كما تقدم يصرخ بصوت صحل: أي فيه بحوحة و هي خشونة الصوت و غلظه يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه: أي قربت منكم، و هذا إبان مخرجه فحيهلا بالحيا و الخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسطا عظاما أبيض بضا أي شديد البياض، أوطف الأهداب أي كثير شعر العينين أسهل الخدين، أشم العرنين أي مرتفع الأنف، له فخر يكظم عليه أي يسكت عليه و لا يظهره و سنن يهتدى إليها أي يرشد إليها، فليخلص هو و ولده و ولد ولده و ليدلف أي يتقدم إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء: أي يفرغوه على أجسادهم أي يغتسلوا به، و ليمسوا من الطيب، ثم يلتمسوا الركن و ليطوفوا بالبيت العتيق سبعا، ثم ليرقوا أبا قبيس فليستسق الرجل و ليؤمن القوم ألا و فيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم أي جاءكم الغيث على ما تريدون. قالت:
فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي و وله أي ذهب عقلي، و اقتصيت رؤياي أي ذكرتها على وجهها فنمت أي فشت و كثرت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال