السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٨ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
قاعد في ظل شجرة في الجاهلية، إذ تدلى علي غصن من أغصانها حتى صار على رأسي فجعلت أنظر إليه و أقول: ما هذا؟ فسمعت صوتا من الشجرة: هذا النبي يخرج في وقت كذا و كذا فكن أنت من أسعد الناس به، و اللّه أعلم.
و أما تساقط النجوم، و طرد الجن بها عن استراق السمع. فقد قال ابن إسحاق لما تقارب أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، و حيل بينها و بين المقاعد التي كانت تقعد فيها فرموا بالنجوم فعرف الجن أن ذلك لأمر حدث من اللّه في العباد، يقول اللّه تعالى لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [الجنّ: الآية ٨] أي طلبنا استراق السمع منها فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً [الجنّ: الآية ٨] أي ملائكة أقوياء يمنعون عنها وَ شُهُباً (٨) وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ [الجنّ: الآية ٩] لخلوها عن الحرس و الشهب فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجنّ:
الآية ٩] أي أرصد له ليرمي به، أي و من يخطف الخطفة منهم بخفة حركته يتبعه شهاب ثاقب يقتله: أي أو يحرق وجهه أو يخبله قبل أن يلقيها إلى الكاهن، و ذلك لئلا يلتبس أمر الوحي بشيء من خبر الشياطين مدة نزوله و بعد انقضائه و موته (صلى اللّه عليه و سلم)، لئلا تدخل الشبهة على ضعفاء العقول، فربما توهموا عود الكهانة التي سببها استراق السمع، و أن أمر رسالته (صلى اللّه عليه و سلم) تم فاقتضت الحكمة حراسة السماء في حياته (صلى اللّه عليه و سلم) و بعد موته، و من ثم قال «لا كهانة بعد اليوم».
و قد حدث بعضهم قال: إن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها ثقيف، و إنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية، و كان أدهى العرب، و أنكرها رأيا: أي أدهاها رأيا، و كان ضريرا، و كان يخبرهم بالحوادث فقالوا له: يا عمرو أ لم تر: أي تعلم ما حدث في السماء من الرمي بهذه النجوم، فقال: بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم أي النجوم المشهورة التي يهتدي بها في البر و البحر و تعرف بها الأنواء من الصيف و الشتاء هي التي يرمي بها فهو و اللّه طي هذه الدنيا و هلاك هذا الخلق الذي فيها، و إن كانت نجوما غيرها و هي ثابتة على حالها فهو لأمر أراد اللّه بهذا الخلق: أي و النوء بالنون و الهمز هنا: ما يحصل عند سقوط نجم في المغرب و طلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما. و حقيقة النوء سقوط النجم و طلوع رقيبه في المدة المذكورة.
و كانت العرب تضيف الأمطار و الرياح و الحر و البرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع منها، فتقول: مطرنا بنوء كذا، و سيأتي الكلام على ذلك في غزوة الحديبية.
و في لفظ: فأمر أراد اللّه و نبي يبعث في العرب فقد تحدث بذلك. لا يقال: قد رجمت الشياطين بالنجوم قبل ذلك، و ذلك عند مولده (صلى اللّه عليه و سلم). لأنا نقول: المراد رجمت الآن بأكثر مما كان قبل ذلك، أو صارت تصيب و لا تخطئ.