السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦ - باب نسبه الشريف
صنم كان يعبده فصار له اسمان: آزر و تارخ كيعقوب و إسرائيل.
قال بعضهم: و قد تساهل من أخذ بظاهر الآية كالقاضي البيضاوي و غيره فقال:
إن أبا إبراهيم مات على الكفر و ما قيل إنه عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل.
و يوافقه ما في النهر نقلا عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن آزر كان اسم ابيه، و يرد ذلك قول الحافظ السيوطي (رحمه اللّه): يستنبط من قول إبراهيم عليه الصلاة و السلام رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) [إبراهيم:
الآية ٤١] و كان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة، أن المذكور في القرآن بالكفر و التبري من الاستغفار له: أي في قوله تعالى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: الآية ١١٤] هو عمه لا أبوه الحقيقي. قال: فللّه الحمد على ما ألهم: أي و لا يخفى أن هذا لا يتم إلا إذا كان أبوه الحقيقي حيا وقت التبري منه، و أن التبري سببه الموت: أي موت عمه على الكفر لا الوحي بأنه يموت كافرا فليتأمل، و حينئذ يكون أبوه الحقيقي هو المعني بقول أبي هريرة: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم. أن قال لما رأى ولده و قد ألقي في النار أي على تلك الحالة أي في روضة خضراء و حوله النار: لم تحرق منه إلا كتافه نعم الرب ربك يا إبراهيم، و كان سنه حين ألقي في النار ست عشرة سنة كما في الكشاف. و في كلام غيره كان سنه ثلاثين سنة بعد ما سجن ثلاث عشرة سنة.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «إن قريشا كانت نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم عليه الصلاة و السلام بألفي عام يسبح ذلك النور و تسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق اللّه تعالى آدم عليه الصلاة و السلام ألقى ذلك النور في صلبه، قال (صلى اللّه عليه و سلم): فأهبطني اللّه تعالى إلى الأرض في صلب آدم، و جعلني في صلب نوح، و قذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة و السلام، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة و الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط».
أقول: قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «فأهبطني» ينبغي أن لا يكون معطوفا على ما قبله من قوله: «إن قريشا كانت نورا بين يدي اللّه تعالى الخ» فيكون نوره (صلى اللّه عليه و سلم) من جملة نور قريش، و إنه (صلى اللّه عليه و سلم) انفرد عن نور قريش و أودع في صلب نوح عليه الصلاة و السلام الخ، بل على ما يأتي من قوله: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» اللازم لذلك أن يكون نوره سابقا على نور قريش، و يكون نور قريش من نوره (صلى اللّه عليه و سلم).
و حكمة اقتصاره (صلى اللّه عليه و سلم) على من ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا تخفى.
و هي أنهم آباء الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فمن ذرية نوح هود و صالح عليهما