السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٩ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
بعده بثلاثة أيام. و يؤيد ما في الهمزية قول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة رضي اللّه تعالى عنها: أي بثلاثة أيام. و دفنت بالحجون، و نزل (صلى اللّه عليه و سلم) في حفرتها و لها من العمر خمس و ستون سنة و لم تكن الصلاة على الجنازة شرعت.
و ذكر الفاكهاني المالكي في شرح الرسالة أن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، لكن ذكر ما يخالفه في الشرح المذكور حيث قال: و روي «أن آدم عليه الصلاة و السلام لما توفي أتي بحنوط، و كفن من الجنة، و نزلت الملائكة فغسلته و كفنته في وتر من الثياب و حنطوه و تقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه، ثم أقبروه و ألحدوه و نصبوا اللبن عليه و ابنه شيث عليه الصلاة و السلام الذي هو وصيه معهم، فلما فرغوا قالوا له: هكذا فاصنع بولدك و إخوتك، فإنها سنتكم» هذا كلامه:
أي و يبعد أنه لم يفعل ذلك بعد القول المذكور له. و يحتمل أن المراد بالصلاة مجرد الدعاء لا هذه الصلاة المعروفة المشتملة على التكبير، لكن يبعده ما في العرائس عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن آدم لما مات قال ولده شيث لجبريل صلّ عليه، فقال له جبريل: بل أنت تقدم فصلّ على أبيك، فصلى عليه و كبر ثلاثين تكبيرة» و قد أخرج الحاكم نحوه مرفوعا و قال صحيح الإسناد، و منه تعلم أن الغسل و التكفين و الصلاة و الدفن و اللحد من الشرائع القديمة، بناء على أن المراد بالصلاة الصلاة المشتملة على التكبير لا مجرد الدعاء.
و حينئذ لا يحسن القول بأن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، إلا أن يقال لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش، إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك، و سيأتي عنهم أنهم لم يفعلوا ذلك.
و أيضا لو كانت معروفة لهم لصلى (صلى اللّه عليه و سلم) على خديجة و من مات قبلها من المسلمين كالسكران ابن عم سودة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما الذي هو زوجها، و سيأتي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور قد مات فذهب هو و أصحابه فصلى على قبره، و أنها أول صلاة صليت على الميت في الإسلام، و معرور معناه في الأصل مقصود.
لا يقال: يجوز أن يكون المراد بتلك الصلاة مجرد الدعاء. لأنا نقول قد جاء أنه كبر في صلاته أربعا. و قد روى هذه الصلاة تسعة من الصحابة ذكرهم السهيلي، و سيأتي عن الإمتاع: لم أجد في شيء من السير متى فرضت صلاة الجنازة، و لم ينقل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى على أسعد بن زرارة و قد مات في السنة الأولى: و لا على عثمان بن مظعون و قد مات في السنة الثانية.
و في كلام بعضهم: صلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة، و أول من صلى عليه (صلى اللّه عليه و سلم) أسعد بن زرارة فليتأمل.