السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٠ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
و في كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم، و كانوا يكفنونهم و يصلون عليهم. و هو أن يقوم ولي الميت بعد أن يوضع على سريره و يذكر محاسنه كلها و يثني عليه ثم يقول: عليك رحمة اللّه ثم يدفن، أي و كأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسمي ذلك العام عام الحزن، و لزم بيته و أقلّ الخروج، و كانت مدة إقامتها معه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسا و عشرين سنة على الصحيح.
و يذكر «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دخل على خديجة رضي اللّه تعالى عنها و هي مريضة فقال لها:
يا خديجة أ تكرهين ما أرى منك، و قد يجعل اللّه في الكرة خيرا؟ أشعرت أن اللّه قد أعلمني أنه سيزوجني» و في رواية «أ ما علمت أن اللّه قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، و كلثم أخت موسى و هي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء، و آسية امرأة فرعون، فقالت: آللّه أعلمك بهذا يا رسول اللّه؟» و في رواية «آللّه فعل ذلك يا رسول اللّه؟ قال نعم، قالت: بالرفاء و البنين» زاد في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أطعم خديجة من عنب الجنة» و قولها بالرفاء و البنين هو دعاء كان يدعى به في الجاهلية عند التزويج، و المراد منه الموافقة و الملائمة، مأخوذ من قولهم رفأت الثوب: ضممت بعضه إلى بعض، و لعل هذا كان قبل ورود النهي عن ذلك.
هذا، و في الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رفئوني، فقالوا ما ذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت عليّ هذا كلامه، و لعل النهي لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله، كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنهم.
و في الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي اللّه تعالى عنها و هو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة، و كانت قبله عند السكران ابن عمها، و هاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما انقضت عدتها تزوّجها (صلى اللّه عليه و سلم)، و أصدقها أربعمائة درهم.
و قد كانت رأت في نومها أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) وطئ عنقها فأخبرت زوجها، فقال: إن صدقت رؤياك أموت أنا و يتزوّجك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم رأت في ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها من السماء و هي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك.
و عقد (صلى اللّه عليه و سلم) على عائشة رضي اللّه تعالى عنها و هي بنت ست أو سبع سنين في شوّال. فعن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت «قلت لما ماتت خديجة:
يا رسول اللّه أ لا تتزوج؟ قال: من؟ قلت: إن شئت بكرا، و إن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قلت: أحق خلق اللّه بك، بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: و من