السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢١ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و اللّه أعلم. قال «و جاء أن جبريل عليه الصلاة و السلام بعثه اللّه تعالى إلى آدم و حواء، فقال لهما: ابنيا» أي قال لهما إن اللّه تعالى يقول لكما ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر و حواء تنقل التراب حتى أجابه الماء و نودي من تحته:
«حسبك يا آدم» و في رواية «حتى إذا بلغ الأرض السابعة. فقذفت فيها الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة ثلاثون رجلا» ا ه.
و فيه أنه كان أمر آدم ببناء البيت بعد مجيئه إلى تلك الخيمة من الهند ماشيا خالف ظاهر ما تقدم عن عطاء و سعيد بن المسيب «أوحى اللّه تعالى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض ابن لي بيتا» إذ ظاهره أنه أوحى إليه بذلك و هو في الجنة، إلا أن يقال المراد بالأرض في قوله اهبط إلى الأرض أرض الحرم: أي اذهب إلى أرض الحرم ابن لي بيتا.
ثم لا يخفى أن قوله فقذفت فيه الملائكة الصخر، يقتضي أن إلقاء الملائكة للصخرة كان بعد حفر آدم، و هو لا يخالف ما تقدم عن كعب. «أنزل اللّه من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم، فقال له: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، و نزل معه الملائكة، فرفعوا قواعده من الحجارة ثم وضع البيت عليها» فيكون إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم «فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق تلك الصخور» و يكون المراد بقوله و نزل معه الملائكة: أي صحبوه من أرض الهند إلى أرض الحرم.
و جاء في بعض الروايات إن آدم و حواء لما أسساه نزل البيت من السماء من ذهب أحمر و كل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم، و نزل الركن فوضع موضعه اليوم من البيت فطاف به آدم أي كما كان يطوف به قبل ذلك، و بهذا تجتمع الروايات. و حينئذ لا مانع أن ينسب بناء هذا الأساس الذي وضعت الملائكة عليه تلك الخيمة لآدم و أن ينسب للملائكة.
أما نسبته للملائكة فواضح. و أما نسبته لآدم فلأنه السبب فيه، أو لأنه كان إذا ألقت الملائكة الصخر يضع آدم بعضه على بعض، و على نسبة بناء ذلك الأس للملائكة و لآدم يحتمل القول بأن أول من بنى الكعبة الملائكة. و القول بأن أول من بنى الكعبة آدم فليتأمل.
و قد جاء أن آدم بناه من لبنان جبل بالشام، و من طور زيتا جبل من جبال القدس، و من طور سينا جبل بين مصر و إيليا.
و في كلام بعضهم أنه جبل بالشام، و هو الذي نودي منه موسى عليه الصلاة و السلام، و من الجودي و هو جبل بالجزيرة، و من حرا حتى استوى على وجه الأرض.